الإثنين , 25 مايو 2026
د. عائشة الجناحي

د. عائشة الجناحي تكتب: قوة الكلمة الخفية

= 12768

هل لما نقوله باستمرار قدرة على تشكيل ملامح حياتنا؟ وهل يمكن للغة اليومية التي نستخدمها أن تتحول إلى قوة خفية توجه اختياراتنا وتؤثر في مصائرنا؟

يلاحظ المتابع للسلوك الإنساني أن بعض الأشخاص يعيشون أسرى لعبارات مثقلة بالتشاؤم، يرددونها بعفوية حتى تصبح جزءًا من وعيهم اليومي، فتنعكس تلقائياً على طريقة تفكيرهم، وعلى أسلوب تعاملهم مع الآخرين، وتدفعهم إلى مسارات يغلب عليها الإحباط والتوجس، بدل الثقة والانطلاق. وفي المقابل، قد تحمل بعض التعبيرات التي تُستخدم بدافع العاطفة معاني عميقة التأثير، إذ تتحول في بعض الحالات إلى عبء نفسي يُثقل كاهل العلاقة، ويقودها إلى توترات متراكمة، وكأن الكلمات التي يُفترض أن تكون جسور قرب، تصبح دون قصد أسباباً للضغط والانهاك العاطفي.

وفي هذا السياق، لفتني ما ورد في إحدى المقابلات التلفزيونية حين تحدّث شاعر معروف عن شعوره بالندم تجاه مقطع في أغنية شكّلت محطة بارزة في مسيرته الفنية. فرغم ما حققته من انتشار واسع، عبّر عن أسفه لصياغة فكرة ارتبطت بمعنى العجز أمام المرض، مؤكداً أن وقع هذه الكلمات ظل يلاحقه لما تحمله من دلاله قاسية تعبر عن واقع إنساني مؤلم، حيث لم يتمكن أطباء العالم من إيجاد العلاج المناسب له.

وهنا يبرز السؤال: إلى أي مدى يمكن للخطاب اليومي الذي نمارسه أن يترك أثره في صحتنا النفسية، وفي رؤيتنا للحياة، بل وفي مسارنا المستقبلي؟

إن ما نردده باستمرار يتحول مع الوقت إلى جزء من بنيتنا الداخلية؛ فإن حمل رسائل سلبية، عزّز مشاعر العجز والانكسار، وإن اتسم بالإيجابية، أسهم في ترسيخ الثقة، وتحفيز القدرة على تجاوز الصعوبات. وفي العلاقات الاجتماعية، تصنع العبارات اللطيفة مساحات أمان وتقارب، بينما تخلّف القسوة اللفظية آثاراً عاطفية يصعب تجاوزها.

وفي ختام التأمل، يبقى السؤال الأهم: كيف نختار مفرداتنا ونحن نخاطب ذواتنا ومن حولنا؟ فكم من عبارة عابرة صنعت تحولاً عميقاً، وكم من جملة صادقة أيقظت وعياً، وأشعلت شرارة أمل غيّرت مسار حياة كاملة.

—————————-

– نبذة عن كاتبة المقال:
الدكتورة عائشة الجناحي، مواطنة إماراتية حاصلة على دكتوراة في إدارة المشاريع، تؤمن أن أكبر مشروع في الحياة هو بناء الإنسان علميًا وعمليًا، بما يجعله قادرًا على الإنجاز والتطور ومواكبة متطلبات الزمن الحالي والمستقبل.

شاهد أيضاً

لماذا نرى أنفسنا أقل من حقيقتنا؟

عدد المشاهدات = 2548  بقلم: د. سناء الجمل كثير من الناس يعيشون حياتهم وهم يحملون …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *