في مجتمعٍ يصبح فيه من يطلق عليه اسم مؤثر أهم من المفكر، والترند أقوى من الحقيقة والمصداقية، لا يعود السؤال: ماذا يشاهد ابناؤنا؟ بل أي وعي يصنع لهم كل يوم خلف الشاشات، فبعد ان كانت أحلام أجيال متعاقبة: اريد ان أكون طبيبا او مهندسا او محاميا او صحفيا او أستاذا اصبحت بالنسبة الى جيل اليوم اريد ان اكون مؤثرا يحقق الترند ويجذب أكبر عدد من اللايكات والمشاهدات والاعلانات، والسبب مواقع التواصل الاجتماعي التي صنعت جيلا جديدا من النجوم والمشاهير لا يصعد كثير منهم عبر العلم والكفاءة أو الإنجاز والاستحقاق، بل عبر الاستعراض والتفاهة وتسويق الحياة الخاصة بوصفها عرضا دائما للاستهلاك البصري، اين حولت البيوت من حافظة لأسرار العائلات الى فضاء مفتوح على مدار الساعة في بث مباشر يدخله من هب ودب ومن أي مكان ودون استئذان.
هذا التحول ليس بريئا كما يبدو، بل يكشف انقلابا عميقًا في سلم القيم داخل المجتمعات الحديثة، حيث أصبح الظهور أهم من الإنجاز، والمتابعة أهم من المعرفة، والصورة أهم من الجوهر، في هذا العالم الرقمي اللامع لم تعد المنصات تبيع المنتجات فقط، بل تبيع أيضا أنماطا للحياة، ومعايير جديدة للنجاح، وصورا مثالية مزيفة ومع الوقت تحولت مواقع التواصل الاجتماعي إلى محكمة يومية يقارن فيها ملايين الشباب أجسادهم، ملابسهم، علاقاتهم، وحتى أحلامهم بما يشاهدونه لدى المؤثرين، ليشعروا لا اراديا بالإحباط والاكتئاب وبان حياتهم بطيئة مملة ناقصة وفقيرة جدا وبلا قيمة ، بالنظر الى الاف الفيديوهات لمؤثرين بأجسام مثالية وسيارات فاخرة ورحلات سياحية مبهرة وبذخ لا ينتهي وحياة حالمة وسهلة.
وهنا تكمن الخطورة الحقيقية حيث لم تعد مواقع التواصل مجرد فضاءات للتواصل، بل تحولت تدريجيا إلى مصانع لإنتاج الوهم الجماعي، وعلى نطاق واسع اين تباع السعادة كمنتج رقمي، بينما تتزايد في الواقع معدلات القلق والاكتئاب والشعور بعدم الرضا عن الذات ومع الوقت، تتحول هذه المقارنات إلى شعور دائم بالنقص، وكأن الحياة سباق مفتوح يخسر فيه الجميع إلا أولئك الذين يظهرون على الشاشة، انها ازمة نفسية صامتة تصنعها صور مثالية لحياة ليست حقيقية بالكامل بل منتجة بعناية : حياة انتقائية ،زوايا تصوير، إعلانات مقنعة ،ديون مخفية او مبالغات هدفها صناعة الانبهار ، لكن المتلقي خاصة المراهق او الشاب لا يرى الكواليس بل النتيجة فقط فيبدا بمقارنة حياته الواقعية العادية والمتعبة بذلك العالم المصقول رقميا.
ومن أخطر ما انتجته ثقافة المؤثرين إعادة صياغة وتعريف معايير النجاح والتفوق حيث باتت مرتبطة بمدى الانتشار والشهرة الرقمية وعدد المتابعين والربح السريع وعدد الإعلانات بغض النظر عن الوسيلة والأخلاق، بعد ان كانت مرتبطة بالدراسة وطلب العلم والصبر والمثابرة والكفاءة والتدرج والخبرة، وهكذا تراجع بريق الطبيب والباحث والكاتب والأستاذ الجامعي والمهندس والصحفي الجاد والمحامي البارع امام صعود صاروخي لاسهم تافهين بلا مستوى علمي ولا أخلاقي، لكنهم يتقنون قوانين لعبة المنصات وصناعة الجذب الرقمي.
ليصبح شبابنا فريسة للفقر المعنوي حيث يفقدون ايمانهم بقيمة العلم والجهد والنجاح المتدرج وتغتال فكرة الزمن، لان النجاح الرقمي لحظي بينما النجاح الحقيقي يحتاج الى سنوات من العمل والمثابرة والصبر والتكوين المتواصل، والاجيال الحالية التي نشأت على الإيقاع السريع للمنصات ستصطدم بان الحياة الواقعية لا تعمل بمنطق التمرير السريع والريلز وفلاتر السناب شات، فبين الحقيقة التي نعيشها والوهم الذي نتصفحه يوميا تتشكل معركة صامتة على وعي الأجيال القادمة والانتصار فيها لن يكون للأكثر ظهورا وشهرة بل للأكثر نضجا وحكمة ووعيا.
——————————————
- كاتبة وصحافية جزائرية.
حياتي اليوم صحيفة إلكترونية يومية