بقلم: هندة طوبال
دخل الذكاء الاصطناعي إلى عالم الصحافة ليس كضيف عابر بل كلاعب ثقيل يفرض حضوره بقوة داخل غرف الأخبار وقاعات التحرير التي كانت إلى وقت قريب تُدار بعقول الصحفيين وخبراتهم وحدسهم المهني لتصبح اليوم مفتوحة على خوارزميات قادرة وفي ثوان على كتابة الأخبار وتحرير التقارير وصناعة الصور وتقليد الأصوات وتحليل البيانات، بل وحتى اقتراح الزوايا التحريرية.
وفي خضم هذا المشهد ظهرت فوضى حقيقية في الممارسة: صحفيون يستخدمون الذكاء الاصطناعي في أمور بسيطة كالتدقيق اللغوي، وآخرون يستعينون به في الترجمة والتلخيص بينما تجاوز البعض كل الحدود حيث ينتجون تقاريرهم ومقالاتهم بالكامل بالاعتماد عليه وينسبونها لأنفسهم، والأسوأ أن المتلقي في كثير من الأحيان لا يعلم أصلا إن كان المحتوى الذي يتلقاه من إنتاج صحفي أم من إنتاج خوارزمية.
فالمفارقة أن الجميع يستخدم الذكاء الاصطناعي لكن لا أحد تقريبًا يعرف أين يجب أن يتوقف استخدامه، فهل يجوز للصحفي أن ينشر مادة كتبها الذكاء الاصطناعي بالكامل؟ وهل يصبح النص أقل مهنية إذا تدخلت الخوارزمية في صياغته؟ ومن يتحمل المسؤولية الأخلاقية والقانونية إذا تضمن المحتوى أخطاء أو تضليلًا أو معلومات مفبركة؟
وهل يحق للمؤسسة الإعلامية أن تخفي عن جمهورها أن جزءًا من المحتوى أُنتج اليا؟
هذه الأسئلة لا تزال معلقة في فراغ تشريعي وأخلاقي خطير، فالقطاع الإعلامي يتحرك دون بوصلة ، فلا توجد حتى الآن قواعد موحدة ولا سياسات تحريرية واضحة تضبط حدود استخدام الذكاء الاصطناعي داخل المؤسسات الإعلامية، وطبيعة التدخل المقبول للآلة في صناعة المحتوى الصحفي، ولا مواثيق تلزم الصحفي بالتصريح عن طبيعة تدخل هذه الأدوات في إنتاج المادة الصحفية، كما لا توجد قوانين دقيقة تعالج قضايا المسؤولية القانونية والملكية الفكرية والتضليل الرقمي الناتج عن المحتوى المولد بالذكاء الاصطناعي.وفي ظل هذا الغموض باتت الصحافة مهددة بنوع جديد من التلوث المهني، حيث تختلط الكتابة الإنسانية بالمحتوى المصطنع دون شفافية، وتتراجع قيمة الجهد الصحفي والابداع البشري أمام إغراء السرعة والإنتاج الكمي.
لكن الأخطر من ذلك أن الذكاء الاصطناعي لا ينتج فقط نصوصًا، بل يعيد تشكيل مفهوم الحقيقة نفسه، فتقنيات التزييف العميق والصور المركبة والأصوات الاصطناعية قادرة على خلق واقع إعلامي مزيف يصعب كشفه، ما يضع الصحافة أمام تحدٍّ غير مسبوق يتعلق بحماية الثقة العامة، كما ان الذكاء الاصطناعي نفسه ليس كيانًا محايدًا بالكامل كما يروج له فهو يتغذى على بيانات قد تحمل تحيزات ثقافية وسياسية وإيديولوجية، ما يعني أن الاعتماد الأعمى عليه قد يحول غرف الأخبار إلى فضاءات لإعادة إنتاج الانحيازيات بشكل أكثر خطورة.
وسط هذا الجدل تبدو الحاجة ملحة أكثر من أي وقت مضى لإطلاق حوار مهني وأكاديمي جاد ومعمق يشارك فيه الصحفيون والباحثون ,وأساتذة الاعلام والاتصال وخبراء القانون والتكنولوجيا من أجل بناء إطار أخلاقي وتشريعي واضح يضبط العلاقة بين الإعلام والذكاء الاصطناعي، ويضمن الشفافية ويحمي المصداقية ويحدد المسؤوليات، ويبرز بوضوح ما الذي يجوز وما الذي لا يجوز، ويحفظ مركزية الصحفي داخل العملية الإعلامية، ويمنع تحول الصحافة إلى نشاط الي منزوع الحس الانساني، فالصحافة التي تفقد بعدها الإنساني قد تربح السرعة لكنها تخسر روحها.
—————————————————
- كاتبة وصحافية جزائرية.
حياتي اليوم صحيفة إلكترونية يومية