الأربعاء , 13 مايو 2026

داليا جمال تكتب: نسيانك صعب أكيد

= 194

ليست مجرد كلمات أغنية تغنيها القلوب فقط، بل هى اعتراف بعجزها عن النسيان… فبعض الغياب لا يُحتمل، وبعض الراحلين لا يمكن أن يتحولوا إلى مجرد ذكرى.

بغياب صوت هانى شاكر الدافئ الودود.. الصوت الذى عشت معه منذ طفولتى ورافقنى فى أيام عمرى بأغنياته الرائعة.

انطفأ حضور استثنائى أشعر معه بأن الأمر أكبر من مجرد رحيل إنسان، بل كأن جزءًا من روح مصر يُنتزع فى صمت.

ومن قبل غابت سعاد حسنى، الفتاة الجميلة الشقية التى لم تكن مجرد فنانة، بل كانت بهجة تمشى على الأرض، ومعها غابت «نعيمة» و«زوزو» و«أميرة حبى أنا»، تاركة فى القلب غصة، وفى العين دمعة. ثم غاب أحمد زكى، الفنان الذى عاش كل أدواره حتى صار مرآة صادقة لوجدان هذا الشعب، فبدا وكأن جزءًا آخر من الوطن قد انطفأ برحيله.

ومع توالى الغياب، ورحيل فؤاد المهندس وشويكار، وجورج سيدهم وسمير غانم ودلال عبد العزيز ولطفى لبيب وحسن حسنى، لم نفقد فنانين فحسب، بل فقدنا وجوهًا كانت تسكن بيوتنا، وأصواتًا صاحبت تفاصيل أيامنا، حتى صار كل منهم فردًا من العائلة، وابنًا لكل شارع وحارة فى مصر. ومع كل رحيل، يتسلل إلينا ذلك الإحساس بأن شعلة ما تنطفئ، وأن وهجًا ما يخبو، وأن الحياة تفقد شيئًا من دفئها وبهجتها.

ورغم ذلك، يبقى الفن عصيًا على الغياب. فلا يمكن أن تُمحى من الذاكرة قامة بحجم أم كلثوم، ولا يمكن أن يخبو حضور عبد الحليم حافظ، ولا أن يغيب أثر بليغ حمدى، ولا أن تتوقف الروح عن التمايل مع أنغام فريد الأطرش. لأنهم لم يكونوا مجرد فنانين، بل كانوا ذاكرة وطن، وصوت شعب، وحكاية أمة.

الفن فى مصر لم يكن يومًا ترفًا، بل كان روحًا تسرى فى وجدان الناس، ونكهة تمنح الحياة معناها، ومرآة تعكس أحلامهم وأوجاعهم. ولذلك، كلما كان الفنان صادقًا، مخلصًا لفنه وجمهوره، امتد أثره عبر الزمن، وأصبح حضوره أبقى من الغياب.

فالأجساد ترحل، لكن الأصوات تبقى، والضحكات تتردد، والمشاهد تعاد، والقلوب لا تنسى. غير أن الخطر الحقيقى لا يكمن فى رحيل هؤلاء، بقدر ما هو فى غياب من يشبههم.

نخشى أن نستيقظ يومًا فلا نجد فنًا يليق باسم مصر، ولا صوتًا يعيش، ولا عملًا يُحفر فى الذاكرة. ولا يتبقى لنا سوى الذكريات.. التى كانت هى الفن الحقيقى الباقى لنا.

——————-
* مدير تحرير أخبار اليوم.

شاهد أيضاً

“الحج في مصر عبر العصور” على مائدة النقاش باتحاد الكتاب

عدد المشاهدات = 2888 عقدت لجنة الحضارة المصرية القديمة بالنقابة العامة لاتحاد كتاب مصر، برئاسة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *