بينما يتحدث العالم بلغة الخوازميات والبيانات الضخمة والتدفق اللحظي للمعلومة، ما تزال بعض خلايا الاتصال في مؤسساتنا تعمل بعقلية الفاكس، إنها مفارقة عجيبة، ففي عصر الذكاء الاصطناعي، حيث يتم توليد المقالات والتحليلات في ثوانٍ، ما يزال عليك كصحفي أن تترجى حرارة الفاكس لتصل، ثم تنتظر الفرج الإداري الذي قد يأتي وقد لا يأتي.
فالمؤسف أن بعض المكلفين بالإعلام تحولوا وفي أحيان كثيرة دون قصد، إلى نقطة تعطيل داخل المنظومة الاتصالية، وحواجز بدل ان يكونوا جسورا للتواصل وحلقة ربط ذكية ومرنة بين المؤسسة ووسائل الإعلام.
أرسل فاكسً، المسؤول في اجتماع، يجب الحصول على ترخيص، حاول الاتصال غدا، انا انتظر الرد الرسمي مثلك، عبارات تتكرر كثيرًا في وجه الصحفي حتى تكاد تتحول إلى قاموس يومي آلي داخل بعض خلايا الاتصال، بينما المؤسسة ترفع شعار الرقمنة والانفتاح والشفافية.
الصحفي اليوم لا يطلب امتيازًا، ولا يسعى إلى اختراق المؤسسات، بل يبحث عن حق مهني مشروع، الوصول إلى المعلومة الدقيقة في وقتها المناسب، لكن ما يحدث في بعض الاحيان أن الحصول على معلومة بسيطة وعادية يتحول الى متاهة طويلة من الإجراءات الإدارية البيروقراطية التي تبدو خارج الزمن: مراسلات ورقية، فاكسات، سلسلة من الموافقات، وانتظار طويل للحصول على تصريح قد لا يتجاوز سطرين او دقيقة، ويأتي الرد أحيانا بعد أن يكون الخبر قد استهلك عمره المهني بالكامل، وشبع موتا ، وقرئت عليه الفاتحة ودفن، وفي عالم الإعلام لا شيء يقتل الخبر أكثر من التأخير. الأخطر من ذلك أن الفراغ الاتصالي لا يبقى طويلًا، فحين تتأخر المؤسسة عن تقديم المعلومة، تتكفل الإشاعة بملء المساحة، وحين يغيب التواصل الرسمي، تتضخم الروايات البديلة مهما كانت هشاشتها.
المشكلة ليست في احترام التنظيم الإداري، بل في غياب التوازن بين الإدارة ومتطلبات العصر، فالخبر لا ينتظر يومين حتى يكتمل مسار التوقيعات، ولا يملك رفاهية النوم على ورقة فاكس داخل الأدراج. نحن نعيش عصر البث المباشر، والإعلام الفوري، والذكاء الاصطناعي، حيث أصبحت المعلومة تنتشر عالميًا في ثوانٍ، بينما ما تزال بعض المؤسسات عندنا تتحرك بسرعة الفاكس.
لكن اختزال الأزمة في المكلف بالإعلام وحده سيكون تبسيطًا مخلًا للحقيقة، فكثير من المكلفين بالإعلام يعيشون هم أنفسهم في حالة اختناق مهني بين صحفي يطالب بالمعلومة في توقيتها الطبيعي، ومسؤول إداري كلاسيكي لا يزال ينظر إلى الإعلام بعين الريبة والحذر، ويظن أن المعلومة سر نووي، ويعتبر كل تصريح مغامرة، وكل تواصل مخاطرة، ليتحول المكلفون بالأعلام الى الإسفنجة التي تمتص غضب الصحفي وتعنت المسؤول، ويجدون أنفسهم في فوهة المدفع، وبين المطرقة والسندان ، فهم ضحايا لمنظومة إدارية لم تستوعب بعد أن الاتصال المؤسساتي هو علم استباق وليس إجراءات دفاعية.
ومع ذلك فإن الصورة ليست قاتمة بالكامل، فهناك نماذج مضيئة وواعية لمكلفين بالإعلام داخل مؤسسات عديدة، استطاعوا التأسيس لعلاقة مهنية متوازنة مع وسائل الإعلام، قائمة على الاحترام والثقة والسرعة في التفاعل. لأنهم يفهمون أن الصحفي ليس خصمًا للمؤسسة، بل امتداد لصوتها حين تكون المعلومة دقيقة، ودرعها ضد الإشاعة حين يكون التواصل حاضرًا. هؤلاء أدركوا أن الاتصال ليس عملية إدارية، بل وظيفة استراتيجية تتطلب الكفاءة والمرونة وسرعة القرار.
فالمؤسسات الحديثة لم تعد قوتها تُقاس فقط بحجم إنجازاتها، بل بقدرتها على إدارة المعلومة، وسرعة تفاعلها مع الإعلام، واحترافيتها في بناء الثقة مع الرأي العام، ففي عالم يتغير كل ثانية، لم يعد الاتصال المؤسساتي وظيفة هامشية تُلحق بالإدارة، بل أصبح قلب المؤسسة النابض وصورتها الحقيقية أمام المجتمع.
اننا اليوم في امس بحاجة إلى ثورة في الاتصال المؤسساتي تبدأ بمسؤولين يفهمون أن الصمت لا يحمي المؤسسات بل يضرها وبشدة ، وأن التأخر في التواصل لم يعد ممكنًا في عصر المنصات الرقمية والذكاء الاصطناعي، وبحاجة أيضًا إلى إعادة الاعتبار للمكلف بالإعلام، ليس كموظف بروتوكولي، بل كفاعل استراتيجي يمتلك صلاحيات أوسع وأوضح للتعامل السريع مع وسائل الإعلام، وتقدير المواقف العادية دون تعطيل، واتخاذ القرارات ، دون أن يبقى أسير كل توقيع وتوجيه، مع حصر العودة إلى المسؤول الأول للمؤسسة الا في الملفات الحساسة والاستثنائية فقط. لتخرج بذلك خلايا الاتصال من منطق الوساطة البيروقراطية إلى منطق الفعالية الاتصالية، لان الإدارة التي لا تواكب سرعة العصرستجد نفسها خارج إيقاعه ، فقد تغيرت قواعد الاتصال ولم يعد ممكنًا مواجهة إعلام اللحظة بعقلية الفاكس المؤجل، فالسرعة اليوم ليست ترفًا بل ضرورة وجودية في عالم الاتصال، والاتصال المؤسساتي ليس وظيفة عادية في الهيكل التنظيمي للمؤسسة ، إنه اليوم أحد أعمدة الأمن الإعلامي للمؤسسات والدول.
————————————————-
- كاتبة وصحافية جزائرية.
حياتي اليوم صحيفة إلكترونية يومية