أثناء حصار قريش لشِعب بني هاشم لمحاربة دعوة الرسول الكريم ﷺ، ذلك الحصار القاسي الذي استمر قرابة ثلاث سنوات، حيث قررت قريش أن تعزل المسلمين ومن معهم اجتماعيًا واقتصاديًا، فلا بيع ولا شراء، ولا طعام ولا تعامل، حتى ضاق الحال بالمحاصرين واشتد بهم الجوع والعطش.
وفي خضم هذا المشهد القاسي، حاول أحد رجال قريش ( هشام بن عمرو العمري ) ــ وهو ليس مسلمًا ــ أن يُدخل بعض الطعام إلى المحاصرين داخل الشعب، وكان دافعه الشهامة والمروءة وصلة الرحم، لأن داخل الحصار أقارب له وأهل تجمعه بهم روابط الدم والإنسانية. وقد نجح بالفعل في تهريب الطعام، لكن قريش علمت بالأمر، فأمسكوا به وانهالوا عليه ضربًا لأنه خالف أوامر الحصار.
وهنا وقع المشهد الذي يستحق أن يُكتب بماء الذهب؛ إذ حضر أبو سفيان بن حرب، وكان وقتها قائدا لقريش ومن أبرز من أداروا الحصار، لكنه عندما رأى الرجل يُضرب غضب غضبًا شديدًا، وقال عبارته الشهيرة التي حفظها له التاريخ:
«أتضربون رجلًا يصل أهله؟! يا قوم لا تفسدوا كل أخلاقنا».
هذه الجملة القصيرة تكشف عقلًا يدرك أن السياسة ــ مهما بلغت قسوتها ــ لا ينبغي أن تتحول إلى آلة تسحق كل القيم النبيلة ، او تسحق الوطن نفسه .. أدرك أبو سفيان أن الخصومة لا تعني قتل المروءة، وهدم الوطن وأن الصراع لا يبرر تحطيم كل ما هو إنساني وأصيل داخل المجتمع.
لم يكن الرجل يومها مسلمًا، ولم يكن مؤمنًا برسالة النبي ﷺ، بل كان خصمًا سياسيًا وعقائديًا حقيقيًا، ومع ذلك فهم أن هناك خطوطًا إذا تم تجاوزها انهارت أخلاق المجتمع بالكامل، وتحولت المعركة من خلاف وصراع إلى سقوط أخلاقي كامل.
المشكلة الحقيقية ليست في الخلاف السياسي ذاته، فالخلاف سنة بشرية قديمة، ولم يخلُ عصر من صراع على السلطة أو النفوذ أو التأثير، ولكن الكارثة تبدأ حين يتحول الهدف السياسي إلى إلهٍ صغير تُذبح عند أقدامه الأخلاق، وتُبرَّر باسمه الخيانة، ويُستباح لأجله الوطن والمجتمع والناس.
و هنا تتجلى المفارقة المؤلمة؛ فهناك من مارس السياسة بعقلية الخصومة، لكنه أبقى للأخلاق مكانًا، وهناك من مارسها بعقلية الجماعة المغلقة التي ترى أن الغاية تبرر كل وسيلة، وأن الوصول إلى الحكم يبرر هدم الدولة، وإرباك المجتمع، وتمزيق وعي الناس، ونشر الخوف والاشاعات والكراهية والتشكيك المستمر في كل شيء .. والسعي لهدم الجيش ( فاكرين لما كانوا بيتريقوا على طائرات الرفال ) التشكيك فى الازهر ألخ ألخ.
إن أخطر ما يمكن أن يصيب أي تيار سياسي ليس الفشل، بل فقدان البوصلة الأخلاقية؛ لأن التيار الذي يعتاد تبرير الكذب بحجة المعركة، وتبرير الفوضى بحجة المقاومة، وتبرير التخريب بحجة المظلومية، يتحول تدريجيًا من مشروع سياسي إلى حالة عدائية ضد المجتمع نفسه ( اللى المفروض بيدافع عنه).
وحين تصل الجماعات إلى مرحلة تعتبر فيها الوطن مجرد ورقة ضغط، والشعب مجرد وسيلة، والحقيقة مجرد أداة دعائية، فهي لا تكون قد خسرت السياسة فقط، بل خانت الوطن والشعب
ولذلك يبقى المشهد صادمًا؛ رجل عاش قبل أكثر من أربعة عشر قرنًا، وكان يومها في معسكر الخصوم، يرفض أن تُداس الأخلاق بالكامل تحت أقدام السياسة… بينما عجزت جماعات حديثة ترفع شعارات الدين والفضيلة عن الوصول إلى هذا العمق الإنساني والأخلاقي.
لذلك في نهاية المقال اقول لهم (يا جماعة الشر لا تفسدوا كل أخلاقنا).
حفظ الله مصر … ارضا وشعبا وجيشا وأزهرا
————————————————-
* كاتب صحفي … جريدة حياتي اليوم
حياتي اليوم صحيفة إلكترونية يومية