الإثنين , 25 مايو 2026
د. عائشة الجناحي

د. عائشة الجناحي تكتب: الاحترام.. قيمة تصنع الحضور

= 411

الاحترام ليس مجرد سلوك عابر أو كلمة تُقال في المواقف الرسمية، بل هو قيمة عميقة وصفة آسرة تفتح القلوب، وتمنح العلاقات قدرة أكبر على الاستمرار. فالإنسان حين يفرض احترامه على الآخرين بأسلوب إيجابي وراقٍ، فإنه لا ينتزع تقديرهم قسراً، بل يجذب قبولهم واحترامهم طواعية، حتى وإن كانت العلاقة بهم بسيطة أو سطحية.

فالكلمات المهذبة، والأفعال الراقية، وحسن التعامل، جميعها رسائل غير مباشرة تُرسّخ مكانة الإنسان في نفوس الآخرين. والاحترام في جوهره عملية تبادلية؛ فحين تنتقي أجمل العبارات، وتتغاضى عن الهفوات، وتغض الطرف عن الزلات، وتمنح الناس مساحة من التسامح، فإنك تكسب احترامهم وتقديرهم، وتترك في ذاكرتهم أثراً لا يُمحى.

ولا يقل احترام الذات أهمية عن احترام الآخرين؛ فالإنسان الذي يقدّر نفسه بالمستوى الذي يليق بها، ينعكس ذلك تلقائياً على حضوره وتعامله وثقته. لذلك، ليس من الحكمة أن يكثر الإنسان من الحديث عن إخفاقاته الشخصية أو محطات الفشل التي مرّ بها أمام الجميع، حتى لا يخفت بريقه الداخلي، أو يمنح الآخرين فرصة للحكم عليه من زاوية ضيقة. فإظهار نقاط الضعف بلا ضرورة قد يُفقد الإنسان شيئاً من هيبته، ويحرمه أحياناً من فرص استثنائية كان يمكن أن تفتح له أبواباً جديدة، كما قد يحدّ من قدرته على رؤية الإمكانيات المتاحة والمسارات التي تقوده إلى محطات أفضل.

ولكي يرتقي الإنسان إلى عتبة التميز، عليه أن يُحسن اختيار المساحات التي يمنحها وقته وطاقته. فليس كل نقاش يستحق الدخول فيه، وليس كل عقل يمكن أن يتسع للحوار. أحياناً يكون اعتزال صغار العقول ضرورة، لا تعالياً عليهم، بل حفاظاً على الصفاء الداخلي والاتزان النفسي. فالجدال العقيم لا يغيّر فكراً، ولا يهذّب سلوكاً، وقد يكون الصمت والابتعاد في بعض المواقف أرقى صور الاحترام.

وفي الظروف الطارئة، من الحكمة أن يحتفظ الإنسان ببعض تفاصيله الخاصة ودروسه المستفادة في سجل تجاربه الشخصية، لا أن يجعلها مادة متاحة لكل عابر. فليس كل ما نمر به يجب أن يُقال، وليس كل ألم يحتاج إلى إعلان. أحياناً يكون الصمت مساحة لترميم الذات، وإعادة بناء الثقة، والوقوف من جديد على أرض صلبة بإصرار وعزيمة.

وحين يصل الإنسان إلى مراتب عالية، ويحقق نجاحات وإنجازات عظيمة، يبقى الاحترام هو المعيار الحقيقي لقوة شخصيته. فالتواضع مع الآخرين، ومنحهم شعوراً بقيمتهم ومكانتهم، لا ينتقص من قدر الإنسان، بل يزيده رفعة. فالنفوس الراقية لا تتعامل مع النجاح بوصفه سلطة، بل مسؤولية أخلاقية تُلزم صاحبها بأن يكون أكثر لطفاً، وأكثر وعياً، وأكثر احتراماً لمن حوله.

القاعدة الذهبية:

احترامك للآخرين يرفع قدرك في قلوبهم، واحترامك لذاتك يحفظ قدرك أمام نفسك.

———————-

– نبذة عن كاتبة المقال:
الدكتورة عائشة الجناحي، مواطنة إماراتية حاصلة على دكتوراة في إدارة المشاريع، تؤمن أن أكبر مشروع في الحياة هو بناء الإنسان علميًا وعمليًا، بما يجعله قادرًا على الإنجاز والتطور ومواكبة متطلبات الزمن الحالي والمستقبل.

شاهد أيضاً

نقيب “كتاب مصر” يعلن زيادة المعاشات إلى 600 جنيه والصرف قبل عيد الأضحى

عدد المشاهدات = 55009 أعلن الدكتور علاء عبد الهادي، رئيس النقابة العامة لاتحاد كتاب مصر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *