الإثنين , 25 مايو 2026

لماذا نرى أنفسنا أقل من حقيقتنا؟

= 374

 

بقلم: د. سناء الجمل

كثير من الناس يعيشون حياتهم وهم يحملون شعورًا خفيًا بأنهم أقل مما ينبغي. قد يحقق الشخص إنجازات واضحة، أو يمتلك قدرات حقيقية، ومع ذلك يظل داخله صوت يقول: “أنا لست جيدًا بما يكفي.” هذا الشعور ليس بالضرورة دليلًا على ضعف حقيقي، بل في كثير من الأحيان يكون نتيجة صورة ذهنية قديمة تشكلت عبر سنوات من التجارب والتأثيرات النفسية.

أولى الأسباب التي تجعل الإنسان يرى نفسه أقل من حقيقته هي طريقة التربية في الطفولة. فالطفل الذي ينشأ في بيئة يكثر فيها النقد ويقل فيها التقدير يتعلم أن يركز على أخطائه أكثر من إنجازاته. عبارات مثل: “كان ممكن تعمل أحسن من كده” أو “غيرك شاطر أكثر منك” قد تبدو للبعض مجرد كلمات عابرة، لكنها في عقل الطفل تتحول إلى رسالة دائمة عن قيمته. ومع مرور الوقت يتكون ما يسميه علم النفس “الناقد الداخلي”، وهو صوت داخلي يستمر في التقليل من شأن الإنسان حتى عندما يحقق نجاحًا.

السبب الثاني هو المقارنة المستمرة بالآخرين. نحن نعيش في عالم مليء بالصور المثالية للنجاح والجمال والتفوق، خصوصًا مع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي. هذه المقارنات تجعل الإنسان ينظر دائمًا إلى ما ينقصه بدلًا من أن يرى ما يملكه. المشكلة في المقارنة أنها غالبًا غير عادلة؛ فنحن نقارن حياتنا الكاملة بحياة الآخرين كما تظهر في أفضل لحظاتها فقط.

كما أن التجارب السلبية أو الصدمات النفسية قد تلعب دورًا كبيرًا في تشكيل صورة الإنسان عن نفسه. تجربة فشل قاسية، أو موقف إحراج أمام الآخرين، أو رفض عاطفي مؤلم قد يترك أثرًا عميقًا في النفس. هذه التجارب قد تزرع اعتقادًا داخليًا مثل: “أنا غير كافٍ” أو “أنا لا أستحق النجاح.” ومع الوقت يتحول هذا الاعتقاد إلى عدسة يرى الإنسان من خلالها نفسه والعالم.

هناك أيضًا ظاهرة نفسية معروفة تسمى متلازمة المحتال. يعاني منها كثير من الأشخاص الناجحين، حيث يشعرون أن نجاحهم ليس نتيجة كفاءتهم بل مجرد صدفة أو حظ، ويعيشون في خوف دائم من أن يكتشف الآخرون أنهم ليسوا بالكفاءة التي يعتقدها الناس. المفارقة أن هذه الظاهرة تنتشر أكثر بين الأشخاص المجتهدين والطموحين، لأنهم يضعون لأنفسهم معايير عالية جدًا يصعب تحقيقها باستمرار.

من الناحية البيولوجية أيضًا، يميل الدماغ البشري إلى التركيز على السلبيات أكثر من الإيجابيات، وهو ما يعرف في علم النفس بـ“الانحياز السلبي”. هذه الآلية كانت مفيدة للإنسان القديم لأنها تساعده على الانتباه للمخاطر من أجل البقاء. لكن في الحياة الحديثة قد تجعلنا نتذكر النقد أو الفشل أكثر بكثير من تذكر النجاحات والإنجازات.

ومع كل ذلك، من المهم أن ندرك أن الشعور بأننا أقل من حقيقتنا لا يعني أن قيمتنا منخفضة فعلًا، بل قد يعني ببساطة أن صورتنا الذهنية عن أنفسنا لم يتم تحديثها بعد. كثير من الناس ما زالوا يرون أنفسهم بعيون الماضي، بعيون الطفل الذي تعرض للنقد أو الشاب الذي خاف من الفشل، رغم أنهم أصبحوا اليوم أشخاصًا أكثر خبرة وقدرة.

وتصحيح هذه الصورة يبدأ أولًا بالوعي. عندما يدرك الإنسان أن الصوت الذي يقلل منه قد يكون مجرد صدى لتجارب قديمة، يصبح قادرًا على إعادة تقييم نفسه بشكل أكثر عدلًا. كما أن الاعتراف بالإنجازات الصغيرة قبل الكبيرة يساعد على بناء صورة ذاتية أكثر توازنًا. كذلك فإن تقليل المقارنات غير العادلة مع الآخرين يسمح للإنسان بأن يرى مساره الخاص بوضوح.

في النهاية، المشكلة في كثير من الأحيان ليست أن الإنسان يفتقر إلى القيمة أو القدرة، بل أنه اعتاد أن ينظر إلى نفسه من زاوية ضيقة. وعندما يوسع هذه الزاوية قليلًا، قد يكتشف أن الحقيقة مختلفة تمامًا:

أن ما يراه نقصًا في نفسه قد يكون في الواقع نقطة قوة لم يتعلم بعد كيف يراها بوضوح.

———————————————————————————

  • استشارى الإرشاد النفسى والمهنى وتطوير الذات

شاهد أيضاً

تناقضات…فلسفة الحب والصراع الوجودى

عدد المشاهدات = 37886بقلم: د. سناء الجمل يقول الشاعر نزار قبانى فى قصيدته الرائعة “تناقضات” …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *