أجلس الآن في مكتبي الزجاجي، والمدينة تمتد تحت قدميّ كبحرٍ من الأضواء.
الهاتف لا يحمل اسمك، والقلب لم يعد يرتجف كلما مرّ طيفك في الذاكرة.
ومع ذلك، سأروي حكايتي اليوم… لا لأستدرّ الشفقة، بل لأحكي كيف يمكن للانكسار أن يصبح بدايةً أخرى.
كنتُ سيلا.
فتاةً نشأت داخل أسوارٍ عالية من القيود. لم أختر الكثير من تفاصيل حياتي؛ كانت القرارات تُتخذ نيابةً عني، حتى أحلامي بدت وكأنها تحتاج إلى إذنٍ مسبق. لذلك صنعتُ عالمي الخاص في الخيال، عالمًا لا سلطان لأحد عليه. هناك كنتُ حرة، أرسم مستقبلي كما أشاء، وأؤمن بحبٍ صادق لا يعرف الخداع.
وحين انتهت سنوات الدراسة، خرجت إلى الحياة للمرة الأولى.
كنتُ كطائرٍ غادر قفصه بعد عمرٍ طويل، مبهورةً بكل شيء، خائفةً من كل شيء.
وفي أول أيام العمل، التقيتك.
كان اسمك زين.
دخلت حياتي كما تدخل العواصف بهدوءٍ مخادع. كنتَ واثقًا من نفسك إلى حد الغرور، تعرف جيدًا تأثيرك في الآخرين، وتستمتع بأن تكون محور الاهتمام أينما ذهبت.
لاحظتَ أنني مختلفة عن الأخريات. لم أركض خلفك، ولم أحاول لفت انتباهك. ربما لهذا السبب قررتَ أن تجعلني واحدةً من ألعابك.
لم تقل يومًا إنك تحبني.
كنتَ أذكى من أن تمنح وعدًا يمكن أن تُحاسب عليه.
اكتفيتَ بإشاراتٍ صغيرة؛ رسالة في الوقت المناسب، اهتمامٍ عابر، نظرةٍ توحي بالكثير ولا تقول شيئًا. وكلما اقتربتُ خطوة، ابتعدتَ خطوة أخرى.
كنتَ تمنحني ما يكفي من الأمل كي أبقى، وما يكفي من الغموض كي أظلّ معلّقة بك.
ومع الوقت، تعلّقتُ.
صرتُ أترقب رسائلك، وأفسر كلماتك، وأبحث عن معنى لكل تصرفٍ يصدر منك. شيئًا فشيئًا، أصبحتُ أقيس قيمتي بمدى اهتمامك بي، دون أن أشعر أنني أفقد نفسي.
ثم بدأ الوجه الآخر يظهر.
يومٌ تمنحني فيه دفئًا مصطنعًا، وأيامٌ طويلة من التجاهل.
تقترب حين تشعر أنني أبتعد، وتختفي حين تطمئن إلى وجودي.
كنتُ أدور في دائرةٍ مغلقة من الشك والتعلق، حتى فقدتُ ثقتي بنفسي.
وفي يومٍ لم أعد أحتمل.
وقفتُ أمامك وسألتُ السؤال الذي كنتُ أهرب منه طويلًا:
“زين… ماذا أمثل لك؟”
نظرتَ إليّ ببرودٍ لم أتوقعه.
ثم قلت:
“أنتِ لا تمثلين شيئًا. أنا لم أعدكِ بشيء. كل ما حدث كان من خيالك.”
صمتَّ لحظة، ثم أضفتَ بابتسامةٍ جارحة:
“اعتبري ما فعلته معكِ مجرد مجاملة.”
رحلتَ بعدها، وكأنك لم تُلقِ للتو حجرًا في قلب إنسانة.
في تلك اللحظة، لم ينكسر قلبي بسببك وحدك.
انكسر لأنني اكتشفتُ أنني سلّمتُ نفسي لشخصٍ لم يرَ فيّ إلا انعكاسًا لغروره.
دخلتُ مرحلةً مظلمة من حياتي.
تركتُ العمل، وابتعدتُ عن الناس، وصرتُ أشك في كل شيء؛ في الحب، وفي الأحلام، وحتى في نفسي.
لكن وسط ذلك الظلام، حدث شيء لم أتوقعه.
سمعتُ صوتي الحقيقي.
الصوت الذي دفنته طويلًا تحت الخوف والاحتياج.
قال لي:
“لا تجعلي نهايتك مرتبطةً بشخصٍ لم يكن يومًا بدايتك.”
ومن يومها بدأتُ من جديد.
لم يكن الطريق سهلًا.
جمعتُ شتات نفسي قطعةً قطعة.
تعلمتُ، وعملتُ، وفشلتُ، ثم نهضتُ مرةً أخرى.
كنتُ أبني امرأةً جديدة، لا تنتظر من أحد أن يمنحها قيمتها.
ومرت السنوات.
كبرت أحلامي، واتسعت حياتي، وتغيرت نظرتي لكل شيء.
حتى جاء اليوم الذي رأيتك فيه مجددًا.
كان ذلك في أحد المعارض الكبرى.
رأيتك من بعيد كما كنت دائمًا؛ أنيقًا، واثقًا، محاطًا بالناس.
اقتربتَ مني ومددتَ يدك مبتسمًا:
“سيلا؟ كيف حالكِ؟”
نظرتُ إليك بهدوء.
بحثتُ في قلبي عن غضبٍ أو حنين، فلم أجد شيئًا.
لا حبًا.
لا كرهًا.
لا حتى ألمًا.
فقط سلامٌ عميق.
ابتسمتُ ابتسامةً صغيرة وقلت:
“عذرًا… أظن أنك أخطأت العنوان.”
ثم أكملتُ طريقي.
للمرة الأولى، لم أكن أهرب منك.
بل كنتُ أمضي نحو نفسي.
حياتي اليوم صحيفة إلكترونية يومية