الإثنين , 25 مايو 2026

لماذا أصبح الجميع يشخّص بعضه نفسيًا؟

= 525

 

بقلم: يارا الهادي

في كل فيديو على السوشيال ميديا تظهر كلمة واحدة تفسّر كل شيء: نرجسي، بوردرلاين، شخصية سامة لم تعد هذه المصطلحات تُستخدم داخل العيادات النفسية أو الأوساط المتخصصة فقط، بل أصبحت جزءًا من الحديث اليومي ،علي منصات مثل تيك توك و انستجرام و يوتيوب وكأن أي تصرف يمكن اعتباره تشخيصًا لاضطراب نفسي .

اليوم قد يتحول أي موقف بسيط إلى تحليل نفسي كامل. شخص واثق من نفسه يُوصف بالنرجسية، وآخر حساس يُتهم بأنه يعاني من اضطراب نفسي، وخلاف عادي يُختصر تحت مسمى “علاقة سامة” أو ريد فلاج .

وكأن البشر لم يعودوا أشخاصًا عاديين لديهم مشاعر وتجارب وظروف مختلفة، بل مجرد مجموعة من المصطلحات النفسية المتداولة .

للموضوع وجهان من الجيد أن يصبح الناس أكثر اهتمامًا بالصحة النفسية والوعي النفسي وأهمية الحديث عنهما، لكن المشكلة تبدأ حين يتحول هذا الوعي إلى طريقة لتصنيف الآخرين وإطلاق الأحكام عليهم دون فهم علمي حقيقي.

فالمشكلة أن علم النفس بقى عند ناس كتير مجرد كلمات تتقال على السوشيال ميديا، مع إن تشخيص أي اضطراب نفسي مش حاجة بسيطة ولا ينفع يتحدد من فيديو قصير أو موقف عابر.

لذلك لا يمكن اعتبار كل شخص مؤذٍ نرجسيًا، أو كل شخص يحب النظام مصابًا بالوسواس القهري، أو كل شخص حزين مكتئبًا. هناك فرق كبير بين الصفات الإنسانية الطبيعية وبين الاضطرابات النفسية الحقيقية، لكن هذا الفرق يختفي وسط المحتوى السريع على السوشيال ميديا .

وقد ساهمت السوشيال ميديا بشكل كبير في خلق ما يمكن وصفه بـ “التشخيص العشوائي” أصبح أي شخص يمتلك حسابًا وكاميرا وعددًا من المتابعين قادرًا على تحليل الناس وتقديم نصائح نفسية وإصدار الأحكام، بغض النظر عن دراسته أو خلفيته العلمية.

والأسوأ من ذلك أن بعض صناع المحتوى حوّلوا المفاهيم النفسية إلى ” ترند” قائم على الإثارة والعناوين السريعة مثل 5 علامات تؤكد أن شريك نرجسي أو اختبر نفسك.. هل لديك تروما؟

والمفارقة أن كثيرًا من الناس لا يستخدمون هذه المصطلحات بدافع الفهم، بل بدافع البحث عن تفسير مريح للألم أو العلاقات المؤذية .

فعندما نتعرض للأذى يصبح من السهل أحيانًا أن نضع الطرف الآخر داخل “تشخيص نفسي” يفسّر كل تصرفاته، بدلًا من تقبّل أن بعض العلاقات قد تكون غير صحية أو غير مناسبة لنا، دون أن يكون أحد الأطراف مريضًا نفسيًا.

الإنسان بطبيعته يميل إلى تصنيف الآخرين حتى يشعر بالقدرة على الفهم والسيطرة على الأمور، لكن حين يتحول التصنيف

إلى حكم قاسٍ يفقد معناه الحقيقي، ويتحول إلى مجرد وسيلة لإصدار الأحكام والتقليل من الآخرين.

فالوعي النفسي الحقيقي لا يدفعنا إلى تشخيص الناس، بل إلى فهمهم والتعامل معهم بوعي وتعاطف أكبر.

لا يجعلنا نبحث عن اضطراب خلف كل تصرف، بل يجعلنا أكثر إدراكًا لحقيقة أن البشر أعقد بكثير من أي فيديو قصير أو مصطلح متداول.

في النهاية، ربما ليست المشكلة في انتشار المصطلحات النفسية، بل في الطريقة التي نستخدمها بها فعندما يتحول علم النفس من وسيلة للفهم إلى لغة يومية لإصدار الأحكام، نفقد جوهره الحقيقي: التعاطف، والوعي، والقدرة على رؤية الإنسان كإنسان… لا كتشخيص.

  

شاهد أيضاً

كبسولات مهدئة| أخطاء الحياة…تكتبها رشا صيرة

عدد المشاهدات = 47391    أى إنسان معرض للوقوع فى الخطأ من وقت للتانى ،فى …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *