السبت , 6 يونيو 2026

شاهندا البحراوي تكتب: مثليون… ولكن!

= 287

عندما سمعت هذه الكلمة لأول مرة، شعرت بالدهشة ولم أكن أدرك معناها الحقيقي. ومع مرور الوقت بدأت ألاحظ تكرارها بصورة متزايدة، وأصبحت تطرح في وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي بشكل لافت، حتى تحولت إلى واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل داخل المجتمعات العربية.
ومع محاولتي فهم هذه الظاهرة، بدأت تتزاحم في رأسي العديد من الأسئلة:
كيف ظهرت؟
ولماذا أصبحت أكثر حضورا من ذي قبل؟
وهل نحن أمام قضية فكرية أم اجتماعية أم تربوية؟
لكن السؤال الذي ظل يفرض نفسه بقوة كان:
هل المثليون جناة أم مجني عليهم؟
قبل الإجابة عن هذا السؤال، لا بد من الإشارة إلى أن المجتمعات العربية والإسلامية تنظر إلى هذه القضية من منظور ديني وثقافي مختلف عن بعض المجتمعات الغربية، وهو ما يجعل الجدل حولها أكثر حساسية وتعقيدا.
وهنا نعود إلى السؤال الأهم: هل المثليون جناة أم مجني عليهم؟
الإجابة ليست واحدة في جميع الحالات، فليس كل شخص يمكن وضعه في قالب واحد أو إصدار حكم موحد عليه. فهناك من يرى أن بعض الأفراد يتحملون مسؤولية أفعالهم عندما يسعون إلى التأثير على الآخرين أو استقطابهم أو الترويج لأفكارهم بصورة منظمة، وهو أمر يرفضه المجتمع باعتباره مخالفا لقيمه وثوابته.
وفي المقابل، هناك من قد يكون ضحية لظروف نفسية أو أسرية أو اجتماعية معقدة، أو نشأ في بيئة افتقدت إلى الاحتواء والتوجيه السليم. وهؤلاء لا يحتاجون إلى السخرية أو التنمر أو الإقصاء بقدر ما يحتاجون إلى الحوار والنصح والدعم النفسي والتربوي والديني.
ومن هنا فإن التعامل مع القضية لا يكون بإطلاق الأحكام العامة، وإنما بالفهم العميق للأسباب والعوامل التي قد تدفع بعض الشباب إلى تبني أفكار أو سلوكيات تتعارض مع ما نشأ عليه المجتمع من قيم ومعتقدات.
ويأتي هنا الدور الأهم، وهو دور الأسرة.
فالأسرة ليست مسؤولة فقط عن توفير الطعام والملبس والتعليم، بل هي المسؤولة أيضا عن بناء شخصية الأبناء نفسيا وأخلاقيا ودينيا. فغياب الحوار داخل المنزل، وضعف التواصل بين الآباء والأبناء، والانشغال الدائم بتوفير الاحتياجات المادية على حساب الاحتياجات النفسية والعاطفية، قد يخلق فجوة كبيرة تجعل الأبناء أكثر عرضة للتأثر بأي أفكار أو مؤثرات خارجية.
كما أن المدرسة تتحمل جزءا مهما من المسؤولية، فدورها لا يقتصر على تدريس المواد التعليمية فقط، بل يمتد إلى غرس القيم والأخلاق وبناء الوعي لدى الطلاب. ومن الضروري أن تهتم المؤسسات التعليمية بتعزيز التربية الدينية والأخلاقية، وتوفير بيئة صحية للحوار، مع وجود متخصصين نفسيين قادرين على مساعدة الطلاب وتوجيههم عند الحاجة.
أما الأصدقاء، فهم أحد أكثر المؤثرات قوة في حياة الشباب. فالصديق قد يكون سببا في النجاح والاستقامة، وقد يكون سببا في الانحراف والضياع. ولذلك فإن اختيار الصحبة الصالحة يظل من أهم عوامل الحفاظ على التوازن النفسي والفكري والأخلاقي.
ولا يمكن إغفال دور المجتمع ومؤسساته المختلفة، سواء كانت دينية أو ثقافية أو إعلامية. فالمجتمع يحتاج إلى خطاب أكثر وعيا واتزانا، يركز على التوعية وبناء الإنسان، بدلا من الاكتفاء بإصدار الأحكام أو تجاهل المشكلات الحقيقية التي يعاني منها الشباب.
إن مواجهة أي ظاهرة مجتمعية لا تبدأ بالرفض وحده، ولا تنتهي عند الإدانة فقط، بل تبدأ بالفهم الصحيح للأسباب، ثم العمل على معالجتها من جذورها من خلال التربية السليمة والتعليم الواعي والاحتواء الأسري والتوجيه الديني الرشيد.
وأخيرا، قبل أن نفكر في بناء العقارات أو جمع الأموال لأبنائنا، علينا أن نبني داخلهم شيئا أكثر قيمة وأبقى أثرا:
السلام النفسي، والوعي الأخلاقي، والوازع الديني، والثقة بالنفس. فهذه هي الثروة الحقيقية التي تحمي الإنسان من الضياع، وتحفظ للمجتمع تماسكه واستقراره مهما تعددت التحديات وتغيرت الأزمنة.

عن admin

شاهد أيضاً

لماذا يتعامل المجتمع بقسوة مع المرأة المطلقة اكثر من الرجل؟

عدد المشاهدات = 8975 بقلم: نانسي سامي اعتدنا دائما ان نلقي على عاتق المرأة مسؤولية …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *