
بقلم: مروان حمدون
لم يبدأ شكي في هذا الخطاب لأنه يتكلم عن المرأة، أو عن البيئة، أو عن العدالة، أو حتى عن التاريخ الاستعماري. هذه كلها قضايا حقيقية، وبعضها جاد وعميق ويستحق التفكير. لكن شكي بدأ حين رأيتُ هذا الخطاب يتعامل مع كل قضية منها لا باعتبارها جزءًا من صورة أكبر، بل باعتبارها الصورة كلها. هنا تحديدًا تبدأ الأزمة: حين يتحول الجزء إلى كلّ، والمفهوم إلى عقيدة، والشعار إلى عدسة وحيدة لا ترى غير نفسها.
فإذا كان الحديث عن المجتمع، فلا يصح أن تُختزل صورته كلها في المرأة وحدها، كأن الرجل والطفل والأسرة والعمل والاقتصاد والبنية الاجتماعية كلها هوامش ملحقة. وإذا كان الحديث عن البيئة، فلا يعقل أن يُقدَّم الملف البيئي وكأنه منفصل عن البشر، أو أن يُطرح كدين أخلاقي مجرّد لا كمسألة علمية وتنموية وسياسية شديدة التعقيد. وإذا كان الحديث عن العدالة، فالأمر لا يُحل بترديد كلمة “مساواة” على كل شيء، لأن العدالة ليست دائمًا مساواة حسابية، كما أن المساواة اللفظية قد تكون في أحيان كثيرة شكلًا آخر من أشكال الظلم.
هذه هي العقدة الأساسية عند الفصيل الهجين: أنه لا يناقش الواقع كما هو، بل كما يحب أن يراه عبر قاموس جاهز. كل شيء عنده قابل لإعادة الصياغة داخل مفردات رائجة: “السلطة الجندرية”، “التمكين”، “العدالة المناخية”، “الاستعمار المعرفي”، “تفكيك البنية الذكورية”، “إعادة توزيع الامتيازات”. مصطلحات تتجاور أحيانًا بلا رابط حقيقي إلا رواجها، وتدخل في النص كما تدخل ألوان كثيرة على لوحة واحدة دون أن يصنع منها الرسام شكلًا واضحًا.
ليست المشكلة في المصطلحات نفسها دائمًا، بل في طريقة استخدامها. فحين تُستعمل لا لتفسير الواقع بل لإخضاعه، تصبح أقرب إلى القوالب. وحين تتحول من أدوات تحليل إلى شهادات حسن سلوك، تفسد الفكر أكثر مما تخدمه. فليس كل من نطق بمفردة “تمكين” صار منصفًا، وليس كل من رفع راية “العدالة المناخية” صار بالضرورة أكثر فهمًا للمجتمع، وليس كل من تحدّث عن “الاستعمار” قدّم تفسيرًا حقيقيًا للتاريخ أو للحاضر.
المفارقة أن بعض هذه الخطابات يهاجم التعميم وهو غارق فيه حتى أذنيه. يرفض الأحكام الكلية على النساء ثم يصدر أحكامًا كلية على الرجال. يرفض التحيز لكنه يُرتب الناس أخلاقيًا بناءً على النوع أو الهوية أو الموقع الرمزي داخل السردية. كأن مجرد كونها امرأة يمنحها تلقائيًا موقع المظلومية النقية، وكأن مجرد كونه رجلًا يضعه تلقائيًا في موضع الاتهام أو الشبهة أو المسؤولية التاريخية. بهذا المنطق لا نكون قد اقتربنا من العدالة، بل انتقلنا من تحيز إلى تحيز مضاد، ومن اختزال قديم إلى اختزال جديد يرتدي لغة أكثر عصرية.
وهنا تظهر المراوغة الكبرى: الخلط بين العدالة والمساواة. العدالة أوسع وأعقد؛ لأنها تنظر إلى السياق والوظيفة والاحتياج والنتيجة. أما المساواة حين تُفهم بشكل ساذج، فإنها تتحول إلى تسوية شكلية بين أوضاع غير متشابهة، أو إلى مطلب خطابي سهل الاستهلاك وصعب التطبيق. ولذلك يصبح كثير من هذا الكلام مجرد أداء لغوي: الحديث عن الإنصاف بطريقة لا تُنصف أحدًا، والحديث عن التوازن بطريقة لا تفهم أصل الاختلال.
الأمر نفسه ينسحب على البيئة. فما أكثر من يتكلمون اليوم عن الطبيعة وكأنها معبد أخلاقي لا يجوز الاقتراب منه، لكنهم يتحدثون عنها غالبًا بمنطق بعيد عن الناس الذين يعيشون فيها وعليها ومنها. بيئة بلا اقتصاد، بلا مجتمعات محلية، بلا احتياجات يومية، بلا صراع حقيقي بين الضرورات والإمكانات. كأن المطلوب من الصياد أن يتبنى خطاب المؤتمرات الدولية، ومن الفلاح أن يحفظ لغة النشطاء، ومن الدولة أن تدير الموارد بمنطق صورة مثالية لا بمنطق موازنة المصالح والمخاطر والتكاليف.
في مثل هذا السياق، يصبح الدفاع عن الطبيعة أحيانًا نوعًا من الزهد المريح عند من لا يدفعون ثمن الشعارات. ولذلك لا يكون غريبًا أن ترى بعضهم مستعدًا للحديث طويلًا عن كائنات مهددة أو نظم بيئية نادرة، لكن من دون أي حسّ حقيقي بالإنسان القريب: العامل، والطفل، والأسرة، والقرية، والمجتمع المحلي. لا لأن الطبيعة لا تستحق الحماية، بل لأن الحماية نفسها لا تكون جادة إذا عُزلت عن شروط الحياة والناس.
أما الحديث عن النسوية والجندرية، فقد صار عند هذا الفصيل أقرب إلى جهاز استدعاء تلقائي. ليس مهمًا دائمًا ما إذا كانت المشكلة في هذا السياق ناتجة أصلًا عن النوع، أو عن الطبقة، أو عن ضعف المؤسسة، أو عن سوء الإدارة، أو عن الثقافة المحلية، أو عن هشاشة الاقتصاد. كل شيء يمكن إعادة تفسيره بوصفه أثرًا من آثار “الهيمنة الذكورية” أو “البنية الأبوية” أو “النظام الجندري”. ومع الوقت، لا يعود الواقع متنوع الأسباب، بل يتحول إلى نص واحد محفوظ يُقرأ على كل الحالات.
والمثير للسخرية أن هذا الإلحاح على “التاريخ الأبيض” أو “المركزية البيضاء” يأتي أحيانًا من دون أي وعي بأن كثيرًا من هذه المصطلحات نفسها خرج من بيئات فكرية غربية، وصيغ في جامعات ومراكز نظر ومؤسسات تدور هي ذاتها في العالم الذي يدّعون مقاومته. فيرفضون “المركزية” لكنهم يستهلكون أكثر صيغها حداثة، ويعادون “التاريخ المبيض” لكنهم لا يمانعون في تبني قوالب تحليلية جاهزة ما دامت تمنحهم شعورًا بالتفوق الأخلاقي.
ثم تأتي النقطة الأكثر إثارة: العداء الناعم لفكرة الدولة. هذا الخطاب لا يصرخ عادة بأنه ضد الدولة، لكنه يفرغها من معناها قطعة قطعة. يشكك في المؤسسة قبل أن يفحص أداءها، وينحاز إلى الفردية الأخلاقية قبل أن يسأل عن كلفة انهيار التنظيم، ويتعامل مع السيادة كأنها شبهة، ومع الوطنية كأنها خطاب قديم ينبغي تجاوزه. عنده الدولة متهمة حتى تثبت براءتها، والمجتمع متخلف حتى يثبت أنه جدير بإعادة التأهيل، والتاريخ الوطني نفسه مادة اشتباه دائمة ما لم يُكتب بلغة اعتذارية مفرطة.
هنا لا يعود النقد نقدًا، بل يتحول إلى مزاج. مزاج يهوى الاتهام أكثر مما يحتمل مسؤولية البديل. يملك حساسية شديدة تجاه الأخطاء الواقعية للدولة والمجتمع، لكنه لا يملك الصبر نفسه حين يتعلق الأمر بتفكيك أوهامه الخاصة أو سؤال نفسه: ماذا بعد؟ ما البديل القابل للحياة؟ كيف يُبنى مجتمع لا مجرد منشور؟ كيف تُدار دولة لا مجرد منصة احتجاج؟ كيف تتحول العدالة من كلمة نبيلة إلى سياسة عامة دون أن تنهار الفكرة كلها تحت ثقل التعقيد؟
إن الخطر الحقيقي في هذا الفصيل ليس أنه يطرح أسئلة خاطئة فقط، بل أنه يطرح أسئلة صحيحة أحيانًا بطريقة تُفسدها. يأخذ قضايا جدية، ثم يجرّدها من شروطها، ويعيد تقديمها داخل مسرح أخلاقي مبسط: ضحية واضحة، وجلاد واضح، ومصطلح لامع، وغضب جاهز، ونتيجة محسومة سلفًا. وهكذا يفقد المجتمع القدرة على التفكير الهادئ، لأن كل اعتراض يُقدَّم بوصفه خيانة، وكل تحفظ يُقدَّم بوصفه رجعية، وكل محاولة لإعادة الأمور إلى سياقها تُصوَّر كأنها دفاع عن الظلم نفسه.
والحال أن المجتمع لا يُفهم بهذه الطريقة. لا المرأة وحدها هي المجتمع، ولا الرجل وحده مشكلته، ولا البيئة وحدها أولوية الوجود، ولا الجندر مفتاح كل الأبواب، ولا الاستعمار تفسير كافٍ لكل فشل، ولا العدالة تتحقق بإحلال قاموس جديد محل قاموس قديم. المجتمع كيان معقد، تتقاطع فيه المصالح والهويات والمؤسسات والحاجات والذاكرة والتاريخ والاقتصاد والدين والتعليم والسلطة والمكان. ومن يختزله في شعار واحد، حتى لو كان شعارًا نبيلًا، لا يدافع عنه بل يسطّحه.
لهذا فإن الأزمة مع الفصيل الهجين ليست أنه منحاز إلى المرأة أو البيئة أو العدالة، بل أنه يتعامل مع هذه القضايا كما لو كانت أبوابًا لإعادة هندسة الوعي كله وفق تريندات مفهومية جاهزة، لا وفق أسئلة المجتمع الحقيقية. ومن هنا يأتي ارتباكه الدائم: كثير من الكلمات، قليل من البناء؛ كثير من الحساسية الأخلاقية، قليل من المسؤولية السياسية؛ كثير من إدانة العالم، قليل من القدرة على تغييره.
وربما كان أخطر ما فيه أنه يمنح نفسه دومًا موقع الضمير. لا ضميرًا وطنيًا يشارك في البناء ويتحمل الكلفة، بل ضميرًا فوق الجميع، دائم الاتهام، دائم البراءة، لا يخطئ لأنه لا يقرر، ولا يفشل لأنه لا يبني، ولا يدفع ثمنًا لأنه يعيش غالبًا في منطقة آمنة بين اللغة والموقف والإشارة. وهنا بالضبط يصبح الخطاب بلا وطن: لا لأنه يكره الوطن صراحة، بل لأنه لا يرى المجتمع إلا مادة لإعادة الصياغة، ولا يرى الدولة إلا موضوعًا للريبة، ولا يرى الناس إلا جمهورًا ينبغي تصحيحه لا الإنصات إليه.
والمجتمع، في النهاية، لا يُنقذ بالشعارات التي تحب نفسها، بل بالأفكار التي تعرف وزن الواقع.
——————————–
نبذة عن الكاتب
مروان محمود كمال حمدون هو باحث ومدرس مساعد بقسم الإرشاد السياحي بكلية السياحة والفنادق – جامعة الفيوم، وباحث دكتوراه في مجال الحفاظ على التراث الطبيعي والجيولوجي في منطقة البحر الأحمر بمصر. يتركز اهتمامه البحثي على تقاطعات التراث الطبيعي، وإدارة المحميات الطبيعية، وتفسير التراث البيئي، إضافة إلى دور المعرفة المحلية والمجتمعات المحلية في حماية الموارد الطبيعية. وهو عضو في اللجنة الوطنية لعلوم البيئة وصون الطبيعة بأكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا في مصر.
شارك في عدد من المبادرات والمشروعات البحثية المرتبطة بالتراث والبيئة والتوعية المجتمعية، كما يكتب في قضايا الهوية الثقافية والوعي البيئي وعلاقة الإنسان بالمكان في السياق المصري. إلى جانب عمله الأكاديمي، يهتم بالكتابة الإبداعية، وله إسهامات في مجال السرد الأدبي تشمل روايات ومجموعات قصصية تستلهم التاريخ والبيئة والهوية الثقافية.
حياتي اليوم صحيفة إلكترونية يومية