فى كل ثانية تُرسل فيها تغريدة أو يُنشر منشور على منصات التواصل، هناك من يراقبك، يدرس كلماتك، ويخطط لكيفية تحويل غضبك إلى أداة لصالحه. هذا ليس خيالًا، بل واقع حروب اليوم، حروب لا تُدار بالمدافع، بل بالعقول والقلوب. حسابات وهمية تحمل أسماء عربية، تهين المصريين أو الخليجيين أو السودانيين باسم مواطن يبدو بريئًا، بينما من خلف الشاشة يبتسم وهو يشاهد الأشقاء يتقاتلون بالكلمات.
هذه الحروب ليست مجرد تضليل؛ إنها استراتيجية محسوبة. وحدات متخصصة مثل الوحدة 8200 التابعة للاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، تعمل على جمع المعلومات وتحليلها وإطلاق حملات إلكترونية دقيقة تهدف إلى تمزيق الثقة بين الشعوب العربية. كل منشور مُهين، كل تعليق مُستفز، وكل إشاعة يتم تضخيمها لتصبح فخًا جاهزًا ليقع فيه الأشقاء دون أن يشعروا.
الخطورة الكبرى تكمن فى أن هذه الحملات لا تستهدف الحكومات بقدر ما تستهدف الشعوب نفسها. منشور واحد يمكن أن يُشعل موجة غضب، وتعليق مستفز قد يثير جدلًا لا ينتهي، فتتحول منصات التواصل إلى ساحات صراع بين أبناء الأمة الواحدة. الهدف واضح: زرع الشك، بث الكراهية، وإقناع كل شعب بأن الشعب الآخر عدو.
لكن الحقيقة التى يحاول البعض إخفاءها واضحة: الأشقاء لم يكونوا يومًا أعداء. ما يجمع المصريين مع أشقائهم فى الخليج والسودان وبقية الدول العربية من تاريخ وثقافة وروابط إنسانية أعمق بكثير من أى منشور مجهول المصدر أو حساب وهمي. والوعى هو خط الدفاع الأول، والتريث قبل الانجرار وراء المنشورات المستفزة هو السلاح الأقوى لحماية وحدة الأمة.
فى زمن الحروب الرقمية قد تتحول كلمة إلى رصاصة، وتغريدة إلى معركة حقيقية فى عقول الناس وقلوبهم. يجب أن ندرك أن كثيرًا مما يبدو خلافًا بين العرب ليس إلا فخًا رقميًا مدروسًا بعناية، وأن أقوى رد على هذه الحملات ليس الغضب أو الردود، بل التمسك بالحقيقة: الأشقاء ليسوا أعداء… وعدونا الحقيقى واحد.
——————–
* مدير تحرير أخبار اليوم
حياتي اليوم صحيفة إلكترونية يومية