الأربعاء , 29 أبريل 2026

شكوي بدون سبب… بقلم: عادل عبدالستار العيلة

= 36799

لا ادري لماذا يخشى البعض الاعتراف بأنهم بخير ، وان امورهم تمام ؟ ما دفعني للتأمل في هذا الامر و محاولة البحث عن تفسيره هو ما رأيته في أحد أماكن العمل، يتكرر المشهد يوميًا:
شكاوى من ضيق الحال، تذمّر من قلة المال، حديث دائم عن “الزنقة” و“الظروف الصعبة”…
لكن حين تنظر بتمعّن إلى الواقع، ترى صورة مختلفة: مستوى معيشة مستقر، إنفاق واضح، مظاهر حياة لا تعكس ضائقة حقيقية كما يدعون !!!!!.
الغريب أن الأمر لا يقتصر على مكان بعينه، بل يبدو كأنه ظاهرة اجتماعية؛ وكأن الناس يخشون أن يقولوا ببساطة: نعم، نحن بخير… الحمد لله.
فما الذي يحدث هنا؟ وما الدافع وراء تصدير هؤلاء دائما صورة ( دا احنا غلابه و ظروفنا صعبة واللى جاي علي قد اللى رايح… رغم واقعهم غير ذلك تماما )
هل هو مجرد مبالغة اجتماعية؟ أم أن وراءه تفسيرًا نفسيًا أعمق؟
وهنا يأتي هدف المقال ورسالته وأقول :

أولًا: تحيّز السلبية (Negativity Bias)
في علم النفس، هناك مفهوم يُعرف بـ تحيّز السلبية؛ وهو ميل الإنسان للتركيز على الجوانب السلبية في حياته أكثر من الإيجابية.
الدماغ البشري تطوّر تاريخيًا ليبحث عن الخطر، لا عن الطمأنينة. لذلك نجد أنفسنا نُضخّم المشكلة، ونتجاهل النعمة.
فالاعتراف بأن “أحوالنا جيدة” يحتاج وعيًا وانتباهًا، بينما الشكوى تلقائية وسهلة.
ثانيًا: المقارنة الاجتماعية (Social Comparison Theory)
قدّم عالم النفس ليون فستنغر نظرية المقارنة الاجتماعية، والتي تقول إن الإنسان يقيّم نفسه دائمًا مقارنةً بالآخرين.
في مجتمع تتصاعد فيه معايير الرفاهية، يصبح “الجيد” غير كافٍ.
فمن يملك سيارة يقارن نفسه بمن يملك سيارتين، ومن يسكن شقة مستقلة يقارن نفسه بمن يسكن فيلا.
وهكذا يتحوّل الشعور بالرضا إلى سباق لا ينتهي، فيشعر الفرد – رغم استقراره – بأنه “أقل مما يجب”. وبالتالي صعب ان يقول انا الحمد لله أموري تمام وبخير

ثالثًا: متلازمة الضحية المكتسبة
بعض الأفراد – دون وعي – يتبنون دور “الضحية”.
ليس لأنهم يعانون فعلًا، بل لأن الشكوى تمنحهم:
تعاطفًا اجتماعيًا
تخفيفًا للضغوط
تبريرًا للتقصير
تجنّبًا للحسد أو الغيرة
في بيئات معينة، الاعتراف بالنعمة قد يُقابل بالحسد أو النقد، بينما الشكوى تمنح أمانًا اجتماعيًا.
فيصبح التذمّر “درعًا نفسيًا”.
رابعًا: القلق الاقتصادي الجمعي
حتى في حال الاستقرار النسبي، قد يعيش الإنسان تحت تأثير خطاب عام عن الغلاء والأزمات.
فيتكوّن ما يُشبه “قلقًا اقتصاديًا مزمنًا”، يجعله يشعر بعدم الأمان حتى لو لم يكن مهددًا فعليًا.
هنا لا تكون الشكوى كذبًا متعمّدًا، بل تعبيرًا عن خوف داخلي من المستقبل.
خامسًا: التواضع الدفاعي
في بعض الثقافات، يُنظر إلى إعلان الرضا أو الاستقرار المادي على أنه استعراض أو تباهٍ.
فيختار الإنسان خطاب الشكوى كنوع من التواضع الاجتماعي.
هو لا يكذب بقدر ما يتبنّى لغة مألوفة تحميه من الأحكام.
هل هذا اضطراب نفسي؟
في أغلب الحالات، لا.
الأمر لا يُصنّف كاضطراب، بل كـ نمط معرفي اجتماعي (Cognitive-Social Pattern).
لكن إن تحوّل إلى:
شكوى مزمنة بلا وعي
شعور دائم بالحرمان رغم الوفرة
عدم قدرة على الإحساس بالرضا
فقد يرتبط بسمات شخصية قلِقة أو نمط تفكير تشاؤمي مزمن.
الخلاصة
ليست المشكلة في قلة المال دائمًا،
بل في ندرة الشعور بالكفاية.
المجتمع الذي يخجل أفراده من قول “نحن بخير”
هو مجتمع لم يتصالح بعد مع مفهوم الرضا.
وربما تكون أول خطوة للعلاج…
أن نتعلم قولها بثقة وطمأنينة:
“الحمد لله… نحن بخير.”
حفظ الله مصر .. ارضا وشعبا وجيشا وأزهرا
——————————————–
* كاتب صحفي .. جريدة حياتي اليوم

شاهد أيضاً

مع قرب انتهاء تطبيقه… اتجاه حكومي لاستمرار قرار العمل عن بُعد

عدد المشاهدات = 7477  كشفت مصادر أن قرار العمل عن بعد يوم الأحد من كل …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *