الإثنين , 29 يونيو 2026

الفصيل الهجين ٣: تمكين المرأة أم تأميم الخوف؟

= 252

بقلم: مروان حمدون

المجتمع السليم لا يحمي المرأة لأنها امرأة فقط، ولا يحمي الرجل لأنه رجل فقط. المجتمع السليم يحمي الإنسان حين يكون في موضع ضعف، وينصف المظلوم حين يقع عليه الظلم، ويحاسب المعتدي أيًا كان نوعه واسمه وموقعه. هذه هي القاعدة البسيطة التي يهرب منها خطاب كامل يعيش على تعقيد الواضح وتشويه البديهي.

الحق لا جنس له. الخوف لا جنس له. الظلم لا جنس له. والجريمة لا تتحول إلى جريمة أكبر أو أصغر لأن مرتكبها رجل أو امرأة. من يحتاج إلى حماية تُمد له الحماية. من تعرض لانتهاك يُنصف. من اعتدى يُحاسب. هذه هي العدالة. أما أن يتحول الأمر إلى هندسة كاملة للعالم تقول إن المرأة ضحية أصلية، والرجل خطر أصلي، والمجتمع كله محكمة مفتوحة لصالح خطاب واحد، فهذه ليست عدالة. هذا تأميم للخوف.

هنا يظهر الفصيل الهجين.

فصيل لا يصنع فكرًا بقدر ما يوزع سكربت. تسمع أشخاصًا مختلفين، في أماكن مختلفة، ودورات مختلفة، ومنظمات مغمورة مختلفة، لكن اللغة واحدة، والنبرة واحدة، والنتيجة واحدة. عناوين براقة ومطاطة: المساحات الآمنة، التمكين، الأدوار الجندرية، كسر الصور النمطية، تفكيك البنى الاجتماعية. ثم حين تقترب من المعنى تجد أن كل هذه اللافتات تقود إلى منطق واحد: خلق كراهية ناعمة بين الرجل والمرأة، ثم بيع هذه الكراهية بوصفها وعيًا.

العوار الأول في هذا الخطاب أنه يبدأ من النتيجة لا من الواقع. لا يسأل: من تضرر؟ كيف؟ أين؟ من المسؤول؟ ما الحل؟ بل يبدأ بحكم جاهز: المرأة ضحية، الرجل متهم، المجتمع مذنب. بعد ذلك يبحث عن أمثلة تثبت الحكم. وهذه ليست طريقة تفكير. هذه طريقة دعاية.

العوار الثاني أنه يخلط بين الواقعة والقاعدة. أن تتعرض امرأة لخوف أو ضغط أو خطر في موقف ما، فهذه واقعة يجب فهمها ومعالجتها بجدية. لكن أن نخرج من هذه الواقعة إلى قاعدة تقول إن العالم كله غابة، وإن الرجل كله مفترس محتمل، فهذا قفز منطقي. وجود خطر لا يبرر تحويل كل الناس إلى خطر. وجود مجرم لا يبرر إدانة جنس كامل. وجود خوف لا يبرر صناعة عقيدة اجتماعية قائمة على الخوف.

حين يقال للفتاة إن المدينة ليست مدينة بل غابة، وإن الظلام لا يكشف خللًا في شروط الحياة أو ضعفًا في تنظيم المجتمع، بل يكشف “حقيقة الرجال”، فنحن لا نحل المشكلة. نحن نعيد برمجة علاقتها بالعالم. نأخذ حالة اجتماعية قابلة للفهم، ونحوّلها إلى كابوس دائم. نأخذ واقعة تحتاج إلى عقل وإصلاح ومسؤولية، ونحوّلها إلى صراع وجودي بين ذكر وأنثى.

هذا ليس تمكينًا. هذا تخويف منظم.

خذ المثال الساذج الذي يتكرر بوجوه كثيرة: رجل يستطيع أن ينتظر ميكروباصًا ليلًا، وامرأة قد تضطر إلى اختيار وسيلة أخرى لأنها لا تشعر بالراحة أو الأمان. الخطاب الهجين يفرح بهذا المثال لأنه يصلح للشعار. سيقول لك فورًا: الرجل يملك المدينة، والمرأة مطرودة منها. لكن هذا الاختزال نفسه هو المشكلة.

الرجل الفقير الذي ينتظر الميكروباص في الليل لا يملك المدينة. هو أيضًا ابن نفس الخلل، ونفس الفقر، ونفس الضغط، ونفس الشارع، ونفس الاقتصاد. قد لا يعبّر عن خوفه بالطريقة نفسها، وقد يكون المجتمع علّمه أن يبتلع خوفه، لكنه ليس مالكًا خفيًا للعالم. والمرأة التي تخاف ليست كاذبة، لكنها أيضًا ليست دليلًا على أن كل رجل ضدها. ما يحدث هنا أوسع من ثنائية رجل وامرأة. إنه تركيب اجتماعي واقتصادي وتنظيمي كامل، إذا اختل ضغط على الجميع، وإذا انصلح استفاد منه الجميع.

إذا كان المجتمع فقيرًا، فالفقر لا يختار ضحاياه بجنسهم فقط. وإذا كان المجتمع مرتبكًا، فالارتباك لا يقف عند باب النساء وحدهن. وإذا كان المجتمع عادلًا ومنظمًا، فالعدل لا يكون منحة حصرية لطرف دون آخر. المجتمع الجيد لا يقول: هذه حماية للمرأة ضد الرجل. يقول: هذه شروط حياة أفضل للإنسان، رجلًا كان أو امرأة، طفلًا كان أو مسنًا، غنيًا كان أو فقيرًا. لكلٍّ حاجته، ولكلٍّ حقه، وعلى كلٍّ مسؤوليته.

العوار الثالث أن هذا الخطاب يحوّل المجتمع إلى مسرح رمزي بدل أن يراه كما هو. لا يرى طبقة، ولا فقرًا، ولا مسؤولية، ولا أسرة، ولا ضغطًا اقتصاديًا، ولا ضعف خدمات، ولا تفاوت فرص. يرى فقط رجلًا وامرأة. ثم يفسر كل شيء بهذه العدسة الواحدة. فإذا ظهر خوف، صار خوفًا جندريًا. وإذا ظهر غضب، صار غضبًا جندريًا. وإذا ظهر ظلم، صار ظلمًا جندريًا. وإذا ظهرت أزمة مركبة، قصّ منها ما يخدم السكربت وترك الباقي.

وهذه ليست قراءة للمجتمع. هذه مصادرة للمجتمع.

المجتمع ليس رجلًا يطارد امرأة في كل زاوية. المجتمع شبكة من علاقات ومصالح وواجبات وأخطاء وموروثات وأزمات. فيه رجل يظلم، وفيه امرأة تظلم. فيه امرأة تُسحق، وفيه رجل يُسحق. فيه أب قاسٍ، وأم قاسية، وابن ضائع، وبنت مخنوقة، وبيت ينهار، وشارع يضغط، وفقر يطحن، وقانون يتأخر، وثقافة تحتاج إلى مراجعة. من يختصر كل ذلك في حرب جندرية لا يملك تفسيرًا عميقًا، بل يملك لافتة سهلة.

العوار الرابع أنه يتلاعب بفكرة “المساحة الآمنة”. في أصلها، المساحة الآمنة يجب أن تعني حماية الإنسان من تهديد أو إهانة أو اعتداء. لكن في يد هذا الخطاب تتحول إلى شيء آخر: مساحة لا يُسمح فيها إلا برواية واحدة. مساحة لا تناقش، بل تصدّق. لا تسأل، بل تتهم. لا توازن، بل تعيد إنتاج الخوف. وهكذا تصير المساحة الآمنة قفصًا نفسيًا، لا مكانًا للتحرر.

الأمان الحقيقي لا يعني أن نعلّم طرفًا أن الطرف الآخر خطر بطبيعته. الأمان الحقيقي أن نبني شروط حياة أقل قسوة على الجميع. أن نرى المحتاج حيث هو، لا حيث يخدم الشعار. أن نميز بين من هو في موضع ضعف حقيقي، ومن يستخدم الضعف كعملة خطابية. أن نحمي الإنسان دون أن نحوله إلى ضحية دائمة، وأن نحاسب المعتدي دون أن نحول نوعه كله إلى متهمين.

العوار الخامس أن الخطاب نفسه لا يطبق منطقه على الجميع. إذا ارتكب رجل جريمة، قيل: هذه نتيجة بنية ذكورية كاملة. وإذا ارتكبت امرأة جريمة، قيل: حالة فردية أو نتاج ضغط أو استثناء. وإذا تألمت امرأة، صار الألم قضية بنيوية. وإذا تألم رجل، صار ألمًا مشكوكًا فيه أو مادة لإثبات نظرية “الأدوار الجندرية”. هذا ليس إنصافًا. هذا انتقاء.

العدالة التي تتغير حسب جنس الضحية أو الجاني ليست عدالة. هي محاباة أيديولوجية. والإنسان الذي يُحاسب بوصفه ممثلًا لجنسه لا بوصفه فردًا مسؤولًا، خرج من دائرة القانون ودخل في دائرة الثأر الرمزي.

ثم تأتي الجملة المكررة: “الرجل لا يبكي”. نعم، هذه جملة قاسية حين تُفرض على إنسان يتألم. لكن الفصيل الهجين لا يتعامل معها حبًا في الرجل ولا شفقة على إنسانيته. يستخدمها كدليل إضافي في السكربت. فإذا بكى الرجل، قيل إنه ضحية ذكورية. وإذا صمت، قيل إنه منتج للذكورية. وإذا اعترض، قيل إنه يدافع عن امتيازه. هكذا يصبح الخطاب محصنًا ضد النقد. كل شيء يثبت صحته، ولا شيء يمكن أن يكشف عواره.

وهذا أخطر أنواع المنطق: المنطق الدائري. خطاب يفسر كل شيء بنفسه، ويمنع أي اعتراض عليه بتهمة جاهزة. أنت لا تناقشه؛ أنت متهم داخله أصلًا.

العوار السادس أنه يستورد صراعًا من بيئة أخرى ثم يفرضه على مجتمع مختلف كأنه قدر كوني. يأخذ راديكالية غربية خرجت من تاريخ اجتماعي وفلسفي محدد، ثم يحاول تركيبها فوق واقع مصري وعربي له طبقاته وأزماته ومنطقه. لا يهمه أن المجتمع هنا لا يفكر في نفسه أصلًا كحرب بين رجل وامرأة. لا يهمه أن العلاقات هنا أعقد: أسرة، قرابة، فقر، طبقة، دين، عرف، واجب، عيب، ستر، مسؤولية، حماية، ظلم، رحمة، قسوة. كل هذا يُمحى لصالح قالب واحد: رجل ضد امرأة.

هكذا لا يقرأون المجتمع. هم يدرّبونه على أن يكره نفسه.

وحين تعترض، لا يناقشون الفكرة. يهربون إلى الاتهام. يقولون إنك ضد المرأة، ضد التمكين، ضد الأمان، ضد التقدم. وهذه حيلة قديمة: أن تحتكر الكلمات الجميلة حتى يبدو كل من يخالفك كأنه ضد الجمال نفسه. لكننا لسنا ضد الأمان. نحن ضد تحويل الأمان إلى صناعة خوف. لسنا ضد التمكين. نحن ضد تحويل التمكين إلى مشروع عداء. لسنا ضد الحقوق. نحن ضد من يستخدمون الحقوق لتمرير خطاب يعادي الإنسان.

المجتمع لا يُصلح بتقسيمه إلى معسكرين: نساء في جهة، ورجال في جهة. ولا يُبنى الأمان بأن نقول لنصف الناس إن النصف الآخر خطر. ولا تُنصف المرأة بأن نجعل الرجل تهمة متنقلة. ولا يُنصف الرجل بأن ننكر ما تتعرض له النساء. الحل ليس في عكس الظلم، بل في كسر منطقه من الأصل.

القضية الحقيقية ليست: كيف ننتصر للمرأة ضد الرجل؟

القضية الحقيقية: كيف ننتصر للإنسان ضد الظلم؟

حين تكون المرأة مظلومة، فالوقوف معها واجب. حين يكون الرجل مظلومًا، فالوقوف معه واجب. حين يكون الطفل ضعيفًا، فحمايته واجبة. حين تكون الأسرة مصدر قهر، يجب ردعها. حين يكون الشارع قاسيًا، يجب إصلاح شروطه. حين يكون القانون بطيئًا، يجب تقويته. حين تكون الثقافة ظالمة، يجب نقدها. لكن تحويل كل هذا إلى حرب جندرية ليس إصلاحًا؛ إنه إفساد جديد يرتدي ملابس التقدم.

الفصيل الهجين لا يريد هذا التوازن، لأنه يعيش من غيابه. يحتاج إلى ضحية دائمة، ومتهم دائم، وذنب دائم، ولغة دائمة الاتهام. يحتاج إلى مجتمع مرتبك يشعر أنه مجرم طوال الوقت، وإلى امرأة خائفة طوال الوقت، وإلى رجل مدفوع للدفاع عن نفسه طوال الوقت. في هذا المناخ فقط يصبح هو ضروريًا: يشرح، ويدرّب، ويفسر، ويوزع شهادات الوعي، ويمنح البراءة لمن يردد السكربت.

ولذلك فالمواجهة معه يجب أن تكون منطقية قبل أن تكون عاطفية. اسأله دائمًا: ما الواقعة؟ من المتضرر؟ ما الدليل؟ ما الحل؟ هل تحاسب الفعل أم الهوية؟ هل تريد حماية المحتاج أم صناعة ضحية دائمة؟ هل ترى المجتمع كله أم ترى ما يخدم خطابك فقط؟ هل تدافع عن الإنسان أم عن مشروعك؟

من لا يستطيع الإجابة سيهرب إلى الشعار.

أما نحن فلا نحتاج إلى شعارات أكثر. نحتاج إلى عدالة أقل ضجيجًا وأكثر صدقًا. عدالة لا تسأل عن نوع الإنسان قبل أن تنظر إلى حقه. عدالة تحمي المرأة حين تُظلم، والرجل حين يُظلم، والطفل حين يُسحق، والفقير حين يُترك، والضعيف حين لا يجد صوتًا.

هذا هو المجتمع الذي يستحق الدفاع عنه: مجتمع يحمي عناصره ويفور لمن يحتاج، لا لمن يملك الشعار الأعلى صوتًا. مجتمع إذا فقر لم يحمّل فقره لجنس دون آخر، وإذا صلح لم يجعل صلاحه امتيازًا لطرف دون طرف. مجتمع يفهم أن الحقوق تقابلها مسؤوليات، وأن الحماية تقابلها محاسبة، وأن الكرامة لا تكتمل إذا مُنحت لفئة عبر إهانة فئة أخرى.

أما تأميم الخوف، وتسويق الكراهية، واستيراد الصراعات، وتحويل المرأة إلى لافتة والرجل إلى تهمة، فليس وعيًا ولا تقدمًا ولا تمكينًا.

إنه فقط وجه جديد للوصاية.

وصاية ترتدي قناع التحرير.

—————————————————-

  • مروان حمدون، كاتب وباحث مصري، مهتم بتفكيك الخطابات الاجتماعية الجاهزة ومساءلة علاقتها بالإنسان والواقع. يكتب في القصة والمقال عند تقاطع الذاكرة، الخوف، المجتمع، والهوية.

عن admin

شاهد أيضاً

في ذكرى ثورة 30 يونيو.. نديم سمنة: مصر رسخت مكانتها على خريطة الاستثمار العالمية

عدد المشاهدات = 3592 أكد نديم سمنة، مستشار الاستثمار والاستراتيجية وعضو الجمعية المصرية للاستثمار المباشر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *