عندما نتحدث عن ثورات الربيع العربي فإننا نتحدث عن مشهد متشابك اختلطت فيه الآمال بالانكسارات وظهرت فيه وجوه كثيرة بعضها أراد البناء وبعضها سعى للهدم لكن في مصر كان المشهد مختلفا لأن ما حدث لم يكن مجرد موجة عابرة بل كان انفجارا لسنوات طويلة من الصمت والغليان
خرجت من تحت الأرض جماعات لم يكن لها حضور واضح في الحياة السياسية ولم يعرف لها فكر يضيف للوطن بقدر ما كان هدفها الوصول والسيطرة فاختلط على الناس الأمر بين من يحب هذا البلد بحق ومن يحمل له ضغينة قديمة ويبحث عن فرصة للتمكين
ومع مرور الوقت لم يعد الأمر يحتمل التجربة ولا الخطأ لأن ملامح الطريق بدأت تتجه نحو الدم والتفرقة والانهيار وهنا كان القرار الحقيقي للشعب المصري الذي أدرك أن الوطن لا يحتمل المغامرة وأن مصر أكبر من أن تترك لمصير مجهول
فكانت ثورة الثلاثين من يونيو لحظة فاصلة لم تكن مجرد احتجاج بل كانت تصحيحا لمسار كاد أن يضيع دولة بحجم التاريخ وبقيمة الحضارة خرج الشعب بإرادة واضحة لا لبس فيها وسانده جيش وطني يعرف معنى الدولة ويحمل على عاتقه مسؤولية الحفاظ عليها
لم تكن الثورة ضد أشخاص بقدر ما كانت ضد فكرة وضد مسار وضد خطر حقيقي كان يهدد كيان الدولة المصرية وهويتها فجاءت لتعيد التوازن وتضع مصر مرة أخرى في مكانها الطبيعي بين الأمم
مصر لم تسقط ولن تسقط لأنها ليست دولة عادية بل هي تاريخ ممتد وجذور ضاربة في عمق الزمن كلما حاول أحد أن يعبث بها انتفض شعبها ليعيدها إلى مكانها الحقيقي
واليوم حين تنظر إلى ما حدث تدرك أن هذه الثورة لم تكن رفاهية ولا اختيارا سهلا بل كانت ضرورة حتمية لحماية وطن اسمه مصر وطن لا يقبل القسمة ولا يعرف الانكسار
وفي النهاية تبقى الحقيقة واضحة لمن يريد أن يرى أن مصر لا تضيع وأن شعبها حين يقرر لا يتراجع وأن الجيش حين يتحرك يحمي ولا يعتدي وأن هذه الأرض لا تكتب تاريخها إلا بدماء أبنائها وإرادتهم
وهنا فقط تعود مصر لتقول بصوت يسمعه العالم كله أنا مصر التي لا تنكسر أنا الدولة التي إذا اهتزت قامت أقوى وأنا الشعب الذي لا يُهزم
أنا الحكاية التي لا تنتهي مهما حاولوا طمسها وأنا الحقيقة التي تظهر كلما حاولوا دفنها
ومن لا يفهم مصر اليوم سيفهمها غدا ولكن بعد أن تدفعه الأيام ليدرك أن هذا الوطن لا يُحكم إلا بإرادة شعبه
د. سهير عمارة
حياتي اليوم صحيفة إلكترونية يومية