الثلاثاء , 16 يونيو 2026

نانسي سامي يكتب: لماذا يعتاد البشر الألم؟

= 127

لم نعد نرتجف كلما مر الألم من امامنا، ولم تعد قلوبنا تتصدع مع كل خسارة كما كانت تفعل في البدايات. فهل تأقلمنا؟ ام اعتدنا؟ ام ان ارواحنا انهكت حتى فقدت قدرتها على الشعور؟
الحقيقة ان الانسان لا يولد باردا، بل تفرض عليه الحياة ذلك شيئا فشيئا.
ففي عالم يركض بلا توقف، لا يمنحك الوقت الكافي لتبكي حزنك كاملا، ولا لتداوي كسورك كما ينبغي. بالكاد تنتهي من ألم حتى تجد نفسك مجبرا على استقبال ألم اخر، وكأن الحياة لا تؤجل معاركها حتى نلتقط انفاسنا.
نصبح مع الوقت اكثر صمتا، لا لأن الوجع صار هينا، بل لأن مسؤولياتنا صارت اثقل من قدرتنا على الانهيار. هناك اسرة تنتظرنا، وعمل لا يتوقف، وواجبات لا ترحم، واشخاص يعتمدون علينا، فنؤجل مشاعرنا مرارا حتى تتراكم داخلنا كغرف مغلقة لا يفتحها احد.
ومع كثرة ما نرى من فقد وخذلان ووجع، تتكون حول ارواحنا طبقة قاسية تشبه الدرع، لا لتحمينا تماما، بل لتساعدنا على الاستمرار. فنحن لا نعتاد الألم لأننا اقوياء دائما، بل لأن الحياة احيانا لا تترك لنا خيارا اخر سوى التعايش معه.
لكن اخطر ما في الامر، ان الانسان حين يطيل البقاء بجوار الوجع، قد يظن ان هذا الفتور شفاء، بينما هو في الحقيقة مجرد تعب عميق جعل المشاعر اهدأ، لا اقل وجعا.

لماذا نعتاد الألم؟

لان الانسان لا يستطيع العيش منكسرا طوال الوقت.
في البداية يؤلمنا كل شيء؛ كلمة، غياب، خسارة، خذلان، لكن مع تكرار الوجع يبدأ القلب في بناء جدار خفي يحميه من الانهيار المستمر. لا لأن الألم اختفى، بل لأن الروح تعبت من المقاومة.

نعتاد الألم حين ندرك ان الحياة لا تتوقف من اجل احزاننا، وان العالم لن يمنحنا فرصة للبكاء كلما انكسر شيء بداخلنا. فنواصل السير، نحمل اوجاعنا بصمت، ونؤدي ادوارنا اليومية وكأن شيئا لم يحدث.

ومع الوقت يصبح الوجع جزءا مألوفا من ايامنا، كصوت اعتدناه حتى لم نعد ننتبه له. لكن الاعتياد لا يعني الشفاء دائما، فبعض الآلام لا تغادرنا، بل نتعلم فقط كيف نعيش بها دون ان نتحدث عنها.

وربما كانت مأساة الانسان الحقيقية، انه قادر على التعايش مع اكثر الاشياء التي كانت يوما كفيلة بتحطيمه.

حينما اذكر اعتياد الالم، اتذكر اطفال فلسطين، كيف سيعيشون ويعتادون السلام حين تتحرر بلادهم، هل حقا سيتأقلمون مع صوت العصافير كما اعتادوا صوت القصف واصوات الحرب؟!

عن admin

شاهد أيضاً

داليا جمال تكتب: من أنتم؟

عدد المشاهدات = 141 ما إن أعلنت رئاسة مجلس الوزراء إصدار اللائحة التنفيذية لتنظيم أوضاع …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *