الإثنين , 29 يونيو 2026

شاهندا البحراوي تكتب: قبل أن ترتدي الفستان الأبيض

= 346

“كبرتي وبقيتي عروسة”… جملة سمعتها كثيرا منذ طفولتي، حتى ظننت أن أكبر إنجاز يمكن أن تحققه أي فتاة هو ارتداء الفستان الأبيض. كبرنا على هذا الحلم، ورسمنا في خيالنا ليلة الزفاف وكأنها النهاية السعيدة، بينما الحقيقة أنها ليست نهاية الحكاية، بل أول صفحة فيها.

في أحيان كثيرة يتحول الفستان الأبيض، الذي حلمت به الفتاة سنوات طويلة، إلى بداية لمسؤوليات لم تكن مستعدة لها، بل وربما يصبح في بعض الزيجات رمزا لأحلام انهارت لأننا ركزنا على الاحتفال، ونسينا أن نعلم أبناءنا معنى الزواج الحقيقي.

المشكلة ليست في الزواج، فهو من أعظم العلاقات الإنسانية، وقائم على المودة والرحمة والسكن كما أمرنا الله، لكن المشكلة في الصورة التي قدمناها عنه. علمنا البنات كيف يفرحن بالفستان، ولم نعلمهن كيف يبنين بيتا. وعلمنا الشباب كيف يبحثون عن زوجة، ولم نعلمهم كيف يكونون أزواجا.

الزواج ليس قصة حب تنتهي بحفل زفاف، ولا علاقة يفرض فيها أحد الطرفين شخصيته على الآخر، بل شراكة تحتاج إلى وعي، وصبر، واحتواء، ومرونة، وقدرة على تحمل المسؤولية. يحتاج إلى شخصين يعرف كل منهما أن الحياة لن تكون دائما كما تخيلها، وأن النجاح الحقيقي هو القدرة على عبور الصعوبات معا.

ومن أكثر الأفكار التي تحتاج إلى مراجعة، نظرتنا إلى المرأة القوية. فما زال البعض يخشى الارتباط بامرأة تمتلك شخصية مستقلة، أو رأيا واضحا، أو طموحا، وكأن قوة المرأة تهدد رجولة الرجل، بينما الحقيقة أن الرجل الواثق لا يخاف من امرأة قوية، بل يقدرها ويحترم وجودها.

المرأة القوية ليست امرأة متسلطة، بل امرأة تعرف نفسها، وتحترمها، وتتحمل المسؤولية، وتقف بجوار من تحب وقت الشدة قبل الرخاء. وقد لخص نزار قباني هذا المعنى حين قال: “لا تخف من الارتباط بامرأة قوية، فربما يأتي يوم تكون هي جيشك الوحيد.”

ورسالتي لكل فتاة… لا تجعلي الزواج يلغي شخصيتك، ولا تجعلي الحب يجعلك تتخلين عن أحلامك أو طموحك. كوني سندا لزوجك، واحتوي تعبه، وشاركيه نجاحه وإخفاقه، وكوني أول من يمنحه الثقة إذا ضاقت به الدنيا، لكن في الوقت نفسه حافظي على ذاتك، وعلى احترامك لنفسك، وعلى وجودك الحقيقي.

كوني زوجة محبة، لكن لا تكوني مجرد ظل لشخص آخر. اجعلي لك هدفا، وطموحا، ورسالة، لأن المرأة التي تمتلك حياة خاصة بها لا تقلل من قيمة زوجها، بل تضيف إلى حياته شريكة قادرة على أن تمنحه الدعم دون أن تفقد نفسها.

ولا تجعلي العطاء دائما من طرف واحد، فالعلاقة الصحية لا تقوم على التضحية المستمرة من شخص، ولا على السيطرة من الآخر، وإنما على المشاركة. فكلما حمل كل طرف الآخر وقت ضعفه، ازدادت العلاقة قوة، وأصبح النجاح مسؤولية مشتركة لا إنجازا فرديا.

ورسالتي لكل رجل… لا تبحث عن امرأة بلا شخصية حتى تشعر أنك الأقوى، بل ابحث عن امرأة تستطيع أن تكون وطنا حين تتعب، وسندا حين تضعف، ورفيقة تفرح بنجاحك وكأنه نجاحها. ولا تبخل عليها بالكلمة الطيبة، فالكلمات الجميلة ليست رفاهية، بل غذاء للمشاعر، وقد تكون كلمة صادقة كافية لأن تمحو تعب يوم كامل.

في النهاية… الزواج لا يحتاج امرأة مكسورة، ولا رجلا متسلطا، بل يحتاج قلبين ناضجين، يعرف كل منهما كيف يحب، ويحترم، ويساند الآخر، دون أن يلغي شخصيته أو يقلل من قيمة شريكه.
وقبل أن تلبسي الفستان الأبيض… لا تسألي نفسك فقط: “هل سأصبح عروسا؟”، بل اسألي: “هل أنا مستعدة لأن أكون شريكة حياة؟” لأن الفستان الأبيض قد يدوم ليلة واحدة، أما الاختيار الصحيح فيبقى أثره عمرا كاملا.

عن admin

شاهد أيضاً

الضلالة النفسية…عندما نرى العالم من خلال مخاوفنا وجراحنا السابقة

عدد المشاهدات = 4241 بقلم: د. سناء الجمل هل نرى الواقع كما هو فعلًا؟ أم …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *