الخميس , 14 مايو 2026

هندة طوبال تكتب: بورصة الوشاية

= 395

ليسوا عملاء لدول أجنبية لكنهم عملاء ضد الكفاءة والاستحقاق والنجاح، إنهم الحركى الجدد، نوع اخرمن الواشيين الذين تخصصوا في هندسة الدسائس وصناعة الأعداء الوهميين للمسؤول، ليوهموه بأنهم حراس هيكله المقدس وحصنه المنيع.
هذا النموذج لا يعيش داخل المؤسسة كموظف عادي، بل ككائن يتغذى على الأخبار والإشاعات، يدخل المكتب صباحا بعينين تبحثان عن مادة خام جديدة، خلاف بسيط بين الزملاء او جملة عابرة او ملامح غضب على وجه موظف، ثم يبدأ مصنع التأويلات في العمل لتصل النسخة المعدلة والمضخمة إلى مكتب المسؤول، غالبا مع إضافات درامية مجانية ، الأمر يتجاوز مجرد نقل الكلام الى صناعة الزيف، فالواشي المحترف يمتلك خيالا واسعا وخصبا يفوق شكسبير وفيكتور هيغوا، فهو يقرأ النوايا ويفسر الصمت ويحلل نظرات العيون وينسج السيناريوهات حيث لا يكتفي بنقل الحقيقة كما هي، لأن الحقيقة وحدها مملة ولا تحقق له المكاسب ، لذلك يضيف البهارات ويحذف ما لا يخدم روايته. إنه كاتب خيال رديء يكتب بأعصاب الناس ومستقبلهم المهني.
نفسياً، الوشاية هي الية دفاعية يلجأ إليها الموظف الضعيف الخاوي مهنياً، بما أنه لا يملك كفاءة تشفع له فإنه يستبدل المهارة بالتقارير الشفوية الكيدية، إنه يدرك أن قيمته المضافة ليست في إنجازاته، بل في اخباره، هنا نتحول من مفهوم إدارة الموارد البشرية الى إدارة الوشايات البشرية.
الأخطر من الوشاية نفسها، هو المسؤول الذي يتحول إلى مستهلك شره لها، فبعض المسؤولين لا يملكون القدرة على القيادة الحقيقية، فيحيطون أنفسهم بجيش من الواشين يستمتعون بسماع القصص الصغيرة، ويتعاملون مع النمام باعتباره عين المؤسسة الساهرة، بينما هو في الحقيقة معول هدم يفتت الثقة داخل الفريق. وهنا تتحول الإدارة من فضاء مهني إلى ما يشبه محكمة تفتيش يومية، بسبب جرثومة الوشاية ذلك السرطان الذي ينهش جسد المؤسسة ليحولها من فضاء للإبداع إلى حلبة صراع يحكمها من يملك أطول لسان لا من يملك أفضل عقل.
وفي بيئة العمل المريضة التي يصنعها هؤلاء لا يقاس النجاح بالكفاءة والانجاز، بل بعدد الرؤوس التي تم قطفها بوشاية كاذبة، والمأساة الكبرى تكمن في ذلك المسؤول الذي يمنح هؤلاء المتزلفين الواشين نياشين الترقية ليصبح الخائن قائدا على الشرفاء، والجاهل مسؤولا على الكفاءات ، حيث لم تعد الترقية تمرّ دائما عبر بوابة الاجتهاد والكفاءة ، بل عبر الهمس والنميمة والوشاية الكاذبة، فهناك موظفون اكتشفوا مبكرا أنهم عاجزون عن منافسة زملائهم في العمل والإبداع والإنتاج فاختاروا طريقا آخر أقل تعبا وأكثر قذارة: طريق نقل الكلام ومراقبة الزملاء وصناعة القصص والتقرب من المسؤول عبر تقارير شفوية لا تنتهي واغلبها ان لم يكن كلها مغلوطة ومزيفة، هذا النوع من الزواحف والقوارض البشرية التي لا تعيش إلا في الأوساط العفنة، ليسوا خبراء في الإدارة ولا عباقرة في التخطيط والتسيير بل هم فنانو نقل الخبر، كائنات تمتلك قدرة خارقة على تحويل عطسة زميل في الممر بسبب الزكام إلى مؤامرة انقلابية ضد المسؤول عن المؤسسة.
وهكذا تصبح بيئة العمل مسمومة وتتحول إلى مقبرة للأخلاق والاحلام، حيث يبتسم لك الواشي في وجهك، بينما هو بصدد كتابة شهادة وفاتك المهنية في أذن المدير، في مشهد عبثي يجمع بين التراجيديا الإغريقية والكوميديا السوداء، حيث العلاقات الإنسانية تتآكل، والكفاءات تنسحب تدريجيا إلى الصمت او تفضل الخروج تماما من هذا المستنقع
هذه الطفيليات الإدارية والكائنات المجهرية لا تعيش إلا في الأنسجة الميتة للمؤسسات والبيئات المتعفنة ، حيث استبدلوا رصاص الغدر بتقارير كيدية تكتب بمداد الحقد وتتغذى على مركبات النقص ، يمارسون اليوم أبشع أنواع التخريب الناعم ضد اقتصاد الوطن، لان خطر الواشي لا يتوقف عند حدود تدمير مسار زميل كفء بالشركة او الادارة، بل يتعداه إلى تسميم بيئة الإنتاج ، فعندما تبنى الترقيات على الولاء اللساني بدلا من الكفاءة والمهارة ، يتم زرع لغم في جسد المؤسسة ، و كل واشٍ يمنحه مسؤول ساذج منصباً هو مسمار جديد يدق في نعش التنمية الاقتصادية وتحويل للمؤسسات من فضاء للإبداع والابتكار والعمل الجاد إلى مستنقع للرداءة الممنهجة ، حيث تغتال الأحلام المهنية للكفاءات.
في سوسيولوجيا الإدارة الحديثة، يعتبر هؤلاء طابورا خامسا يفكك الدولة من الداخل، فالمؤسسة التي يسود فيها الواشي هي مؤسسة طاردة للعقول جاذبة للفاشلين، وعندما يصدق المسؤول خرافات واكاذيب المتزلفين ويمنحهم سلطة على الشرفاء فهو يرتكب جريمة خيانة عظمى بحق الكفاءات الوطنية، فضياع ساعات العمل في الحياكة والتآمر بدلا من العمل الجاد والبحث والتطوير هو استنزاف مباشر لثروات الوطن.
والمؤسسات التي تكافئ الوشاية ترتكب جريمة مزدوجة: تقتل روح الفريق، وتتسبب في هجرة العقول والمبدعين، فالكفاءات لا تطيق العيش في المستنقعات فترحل تاركة الساحة للضفادع. فالموظف المبدع يحتاج إلى بيئة يشعر فيها بالأمان والاحترام، لا إلى مكان يراقب فيه كما لو كان متهما دائما، وحين يسود الخوف يموت الإبداع تلقائيا لأن العقل لا يبدع تحت التهديد، وعندما يرقى الواشي ويهمش الكفء نحن لا نظلم فرداً فحسب، بل نغتال ثقافة عمل ما يؤدي الى انحدار الإنتاجية، فبدلا من التفكير في تطوير العمل، ينشغل الموظف بتأمين ظهره من الخناجر السامة للزملاء.
الوشاية ليست مجرد سلوك فردي، بل هي ثقافة مؤسساتية فاشلة، فاذا أردت أن تعرف مستقبل أي شركة، انظر من هم المقربون من المدير إذا كانوا أهل الكفاءة الخبرة فابشر بالنجاح، وإذا كانوا أهل الهمس فاستعد للجنازة.

المؤسسة الناجحة القوية تبني قراراتها على العمل والنتائج والتقييم الموضوعي، لا على (قال لي فلان)، و(سمعت ان)، اما حين تصبح الوشاية قناة للترقية فاعلم أن المؤسسة دخلت مرحلة التعفن الإداري، حتى وإن كانت جدرانها لامعة وشعاراتها براقة. إن منح الامتيازات للمتزلفين هو إعلان رسمي عن افلاس أخلاقي واداري، فأن تكون مسؤولا يعني أن ترى بعينك، لا بأذن غيرك، أما أنتم أيها الواشون فسيذكر التاريخ أنكم كنتم براغيث في جسد المؤسسة سمنتم من دم الكفاءات، لكنكم ستبقون صغارا مهما كبرت مكاتبكم وعلت مناصبكم!

————————————————

  • كاتبة وصحافية جزائرية.

شاهد أيضاً

يارا الهادي تكتب: أمسك بزمام قلبي.. فالحب ليس إلا شجاعة

عدد المشاهدات = 343 كلٌّ منا يرى الحب بطريقته، ويعبّر عنه من وجهة نظره. فمن …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *