الأحد , 3 مايو 2026

داليا جمال تكتب: السعودية تربح بالعقل

= 275

فى لحظة اشتعال إقليمى غير مسبوقة، بينما كانت الصواريخ تتطاير والتهديدات تتصاعد والأسواق ترتبك خوفًا من اتساع دائرة الحرب، اختارت السعودية أن تقدم نموذجًا مختلفًا فى إدارة الأزمات، نموذجًا لا يقوم على الانفعال ولا تحكمه الرغبة فى الانتقام، بل يستند إلى ثقة الدولة الكبيرة التى تعرف متى تستخدم القوة ومتى تستخدم الحكمة، ففى الوقت الذى انشغل فيه العالم بمتابعة الضربات الإيرانية للقواعد الأمريكية بالخليج وما خلفته من توتر وأضرار طالت بعض المنشآت السعودية، كان من السهل أن تنجرف الرياض إلى أجواء التصعيد، أو أن ترد بإجراءات غاضبة، أو أن تغلق أبوابها أمام كل ما هو إيرانى، لكنها فعلت العكس تمامًا، ففتحت أبوابها لاستقبال ثلاثين ألف حاج إيرانى لأداء فريضة الحج، ولأول مرة استقبلت المملكة، حجاج إيران فى مطاراتها بالورود والترحاب والتنظيم الراقى، لتبعث برسالة سياسية وإنسانية فى غاية الذكاء مفادها أن الخلافات السياسية شىء، وحقوق الشعوب فى العبادة شىء آخر، وأن الدولة الواثقة من نفسها لا تخلط بين النزاع المؤقت والواجب الدينى الدائم، ما فعلته السعودية لم يكن مجرد إجراء بروتوكولى مرتبط بموسم الحج، بل كان إعلانًا واضحًا عن نُضج سياسى كبير، وعن قدرة على الفصل بين الخصومة والإنسانية، وبين الردع والمسئولية، وبين حماية الأمن القومى والحفاظ على قدسية الشعائر.

لقد أثبتت السعودية أنها تستطيع أن تحمى مصالحها دون أن تفقد اتزانها، وأن تواجه التحديات دون أن تتخلى عن مكانتها، وأن تمارس نفوذها بهدوء الواثق لا بصخب المرتبك، وفى منطقة اعتادت أن ترد على النار بالنار، اختارت السعودية أن ترد على التوتر بالاحترام، وعلى الضجيج بالعقل، وعلى الاستفزاز بصورة دولة تعرف قيمتها جيدًا. ولهذا لم تربح السعودية فقط موقفًا سياسيًا محترمًا، بل ربحت أيضًا احترام العالم، لأن الدول الكبرى لا تُقاس فقط بما تملك من قوة، بل بما تملك من حكمة فى أصعب اللحظات.
 —————————————-

شاهد أيضاً

غين سحرية … بقلم: ياسر عامر

عدد المشاهدات = 14577لم تكن مجرد صدفة عابرة حين توقفتُ أمام حلقات من مسلسل “عين …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *