الأحد , 3 مايو 2026
د. عائشة الجناحي

الطمأنة الواعية للطفل … بقلم: دكتورة عائشة الجناحي

= 325

 في ظل الأجواء العامة في وقتنا الراهن قد يشعر الطفل بالخوف وعدم الأمان، وهو أمرٌ طبيعي في مرحلتهم العمرية، لأنهم ليسوا ملمين بالتفاصيل وغير مدركين لأسبابها الدقيقة وعواقبها ومدتها الزمنية. فيبدوا لهم الأمر مجهول وغير واضح ويستدعي الارتباك والقلق والتنبؤ.

فالطفل يفسر الأجواء بأن هناك عدوٌ خطير قد يسلبه كل ما يحبه في أي وقت، لذلك الأسلوب الأمثل ليس تقديم النصائح التي بلا شك لا يستوعبها الطفل، بل إعداد منهج تمكين واضح وسهل الاستيعاب والتطبيق مع الأطفال.

“احتواء الخوف لا يعني إسكاته، بل فهمه، واحتضانه، ثم مرافقة الطفل لعبوره بأمان.”

الوالد الواعي لا ينفي الخوف ولا يضخمه بل يحتويه، من خلال الاعتراف بالمشاعر من غير نفي الخوف بقول “أعرف أن هذا الصوت أخافك… هذا شعور طبيعي”.  حاول أن تجلس بقربه واستخدم نبرة صوت منخفضة تناسب عمره بدون تقديم أي تفاصيل دقيقة ومرعبة بقول “أنا على دراية تامة أن هذا شيء غير معتاد، لكن تأكد أن هناك من يهتم لأمرنا ويتعامل مع كل هذه الأمور بشكلٍ جيد ونحن جميعاً بخير ولله الحمد”.

تذكر دائماً أن الطفل لا يحتاج إلى شرحٍ معقّد بقدر حاجته إلى شعورٍ ثابت بالأمان، فالطفل بطبيعته يلتقط ما يدور حوله من مشاعر، حتى وإن لم يفهم تفاصيل تلك الأحداث. وقد لا يعبّر عن خوفه بالكلمات، لكنه يُظهره في سلوكه، ونومه، وتعلّقه الكبير بمن حوله. وهنا تبدأ مسؤولية الأسرة، ليس في إخفاء الواقع عن الأطفال تماماً، بل في إدارة انعكاسه على نفسية الطفل.

بعض الأسر تقف أمام خيارين: إما قول الحقيقة كما هي، أو اللجوء إلى التخفيف المفرط عبر اختلاق تفسيرات غير صحيحة. وهنا يكمن الفارق الدقيق بين الطمأنة والتضليل وحجب الواقع. الطمأنة الواعية لا تعني إخفاء الحقيقة كلياً، بل تقديمها بطريقة بسيطة تناسب عمر الطفل دون إثارة هلعه.

أما التضليل، فقد يحقق راحة مؤقتة لدى الطفل، لكنه يهز ثقة الطفل لاحقًا عندما يكتشف التناقض بين ما سمعه وما يراه أو يسمعه من الآخرين.

للتمكن من بناء أمان داخلي مستدام، يجب استيعاب الوالدين أن الهدف التربوي لا يتمثل في حماية الطفل من كل خوف، فهذا أمر غير واقعي، بل في تمكينه من التعامل مع مشاعره بثقة ووعي. فالطفل الذي يجد من يرافقه في فهم مشاعره، يتعلم تدريجيًا أن الخوف هو شعور عابر، يمكن احتواؤه لا الهروب منه، وأن الأمان لا يأتي من اختفاء المواقف، بل من القدرة على مواجهتها.

——————————

شاهد أيضاً

الفجوة بين جيلي الآباء والأبناء

عدد المشاهدات = 15534 بقلم الدكتورة: هدى سعيد الدهماني قائدة تربوية لطالما لعبت الأسرة دورا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *