الثلاثاء , 30 يونيو 2026

عادل عبدالستار العيلة يكتب: هل هو مجرد رجل مر وانتهي؟

= 385

يظن الناس أن الخضِر عليه السلام كان رجلا مر في سورة الكهف ثم مضى، لكن أهل البصيرة يعلمون أن الخضر ليس قصة تُقرأ، بل منهج يُعاش، وأن القرآن كله يعلمك كيف تسير مع الله كما سار موسى مع الخَضِر: تسأل، وتتعجب، وتصبر، ثم تكتشف أن وراء الأقدار سرا من الرحمة لم تكن تراه.
في الفاتحة تتعلم أن تبدأ بالهداية قبل الفهم، فكم من قلب أراد أن يفهم الطريق قبل أن يسلكه.
وفي البقرة تسمع النداء الخفي: «وعسى أن تكرهوا شيئًا وهو خير لكم»، فتدرك أن السفن تُخرق أحياناً لتنجو.
وفي آل عمران تعلم أن الانكسارات ليست دائماً هزائم، فقد يربي الله قلبك بجراح لم تستطع النعم أن تربيه بها.

وفي النساء تدرك أن العدل عبادة، وأن الرحمة ليست ضعفًا، بل ميزانًا يقيم الله به الأرض والقلوب.
وفي المائدة تتعلم أن الوفاء بالعهد ليس مجرد خلق، بل طريق إلى رضا الله، وأن من حفظ عهده حفظه الله.
وفي الأنعام ترى أن الهداية ليست بكثرة الطرق، وإنما بصحة الوجهة، وأن القلب إذا امتلأ يقينًا لم تزعزعه الشبهات.

وفي يوسف تعلم أن البئر قد يكون أول الطريق إلى التمكين، وأن السجن قد يكون بوابة الحرية، وأن الله إذا أراد لك أمرًا هيأ له أسبابه ولو ظن الناس أنها نهايتك.
وفي مريم تهز الضعيفة جذع النخلة، لا لأن النخلة تحتاج هزه، بل لأن الله يحب أن يرى منك الأخذ بالأسباب.

وفي طه تسمع نداء الطمأنينة: ﴿لا تَخَفْ إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾، فتوقن أن من كان الله معه فلن يضيعه الخوف.
ثم تبلغ الكهف، فتفهم أن رحلة موسى مع الخضر لم تكن لتروي قصة رجل صالح، بل لتكشف حقيقة الحياة كلها؛ فكم من باب أُغلق رحمة، وكم من أمنية تأخرت حكمة، وكم من ألم كان في باطنه لطف لا تدركه الأبصار حين وقوعه.
ولهذا لم يكن السؤال في القصة: لماذا خُرقت السفينة؟ ولماذا قُتل الغلام؟ ولماذا أُقيم الجدار؟ بل كان السؤال الأكبر: هل تستطيع أن تثق بحكمة الله قبل أن ترى تفسير أقداره؟
وهنا يولد الخضر في قلب كل مؤمن… لا شخصًا يُنتظر، ولا أسطورة تُحكى، وإنما يقينًا يهمس لك كلما ضاقت بك الدنيا: ليس كل ما يؤلمك شرًا، وليس كل ما تتمناه خيرًا، والله يعلم وأنت لا تعلم.
فإذا خرجت من سورة الكهف وما زلت ترى الأحداث بظاهرها فقط، فقد قرأت القصة ولم تعش رسالتها. أما إذا أصبحت كلما تأخر عنك شيء، أو انكسر في يدك حلم، أو تبدلت خططك، قلت بقلب مطمئن: “لعل في الأمر حكمة لا أراها الآن”… فحينها فقط تكون قد سرت مع موسى خطوة، وتعلمت من الخضر درسًا لا ينتهي.

حفظ الله مصر … ارضا وشعبا وجيشا وأزهرا

————————————————-
* كاتب صحفي …جريدة حياتي اليوم

عن admin

شاهد أيضاً

الفصيل الهجين ٣: تمكين المرأة أم تأميم الخوف؟

عدد المشاهدات = 4756 بقلم: مروان حمدون المجتمع السليم لا يحمي المرأة لأنها امرأة فقط، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *