الجمعة , 26 يونيو 2026

الحسبة دي غلط … بقلم: عادل عبدالستار العيلة

= 3370

حين يُدقّق المرء في سلوكيات قطاع واسع من الناس، خصوصًا في الطبقة المتوسطة والأقل، فيكتشف نمطًا متكررًا ومؤلمًا: الميل إلى توفير القليل من المال، مقابل خسارة أشياء أكبر بكثير دون وعي حقيقي بذلك. ليست المشكلة في قلة الدخل بقدر ما هي في طريقة التفكير التي تُدير هذا الدخل

الفكرة ببساطة: نخاف من الدفع المباشر، لكننا لا نرى الخسائر غير المباشرة. ننشغل بما يخرج من جيوبنا الآن، ونغفل عمّا يُستنزف من أعمارنا وصحتنا وفرصنا وجيوبنا ايضا ولكن دون ان ندرك أننا سندفع اكثر بكثير … وسنضرب عدد من الامثلة حتي يتضح الامر اكثر و تصل رسالة المقال بشكل أدق :

١.. شخص يرفض او يغضب لدفع رسوم بسيطة لإنهاء مصلحته بسرعة، لكنه يقف ساعتين أو أكثر في طابور. في ظنه أنه “وفّر المال”، لكن الحقيقة أنه دفع ثمنًا أكبر: من وقته، ومن طاقته، ومن راحته النفسية. ومن كرامته وربما عاد مرهقًا لا يقدر على إنجاز شيء آخر في يومه و هذا معناه إنه خسر أكثر .. هنا لم يكن التوفير حقيقيًا، بل كان استبدالًا لنوع من الدفع بنوع آخر أكثر كلفة.

٢.. مثال آخر: الغضب من تكلفة إنشاء الطرق أو تطوير الخدمات، مع القبول الضمني بإهدار ساعة أو أكثر يوميًا في الزحام. لو جمعنا هذه الساعات على مدار شهر أو عام، سنكتشف أننا فقدنا أيامًا كاملة من حياتنا، إلى جانب ما يُهدر من وقود، وما يُستهلك من أعصاب، وما قد يُفقد من فرص عمل أو مواعيد مهمة.

هذه الفكرة لا تتوقف عند الطوابير والطرق، بل تمتد إلى تفاصيل كثيرة في حياتنا:

نشتري أحيانًا الأرخص، لا لأنه الأفضل، بل لأنه الأقل ثمنًا الآن، فنضطر إلى استبداله مرارًا، فنكتشف أننا دفعنا أكثر.

نؤجل زيارة الطبيب لأن “الكشف غالٍ”، حتى تتفاقم المشكلة ونجد أنفسنا أمام علاج مكلف ومعاناة أكبر.

نرفض تعلم مهارة جديدة لأنها تحتاج جهدًا ووقتًا، فنبقى في أماكننا بينما يتحرك العالم من حولنا.

نبحث عن النجاح السريع بلا فهم حقيقي، فنحصل على نتائج مؤقتة، لكننا نخسر الكفاءة على المدى الطويل.

المشكلة إذن ليست في قلة الإمكانيات، بل في غياب حساب الكلفة الحقيقية للأشياء. نحن نحسب ما يُدفع فورًا، ولا نحسب ما يُهدر على المدى البعيد.

الوعي الحقيقي يبدأ من إعادة تعريف “التكلفة”. فالتكلفة ليست مالًا فقط، بل وقت، وجهد، وصحة، وفرص. وحين ندرك ذلك، ستتغير قراراتنا تدريجيًا. سنسأل أنفسنا قبل أي اختيار: هل ما أوفّره الآن يستحق ما قد أخسره لاحقًا؟ هل أدفع اليوم لأرتاح غدًا، أم أتهرب من الدفع الآن لأدفع أضعافه لاحقًا؟

إن المجتمعات لا تتقدم فقط بزيادة الموارد، بل بحسن إدارتها. وإدارة الموارد تبدأ من إدارة الوعي. حين يُصبح الوقت له قيمة حقيقية في نظرنا، وحين نُدرك أن الصحة لا تُعوّض بسهولة، وأن الفرص لا تنتظر كثيرًا، سنُعيد ترتيب أولوياتنا بشكل مختلف.

الخلاصة التي قد تبدو بسيطة، لكنها عميقة التأثير:

ليس كل ما هو رخيص في ظاهره قليل الكلفة، وليس كل ما ندفع فيه مالًا خسارة. أحيانًا يكون ما ندفعه اليوم هو ما يحمينا من خسائر أكبر بكثير غدًا.

حفظ الله مصر … ارضا وشعبا وجيشا وأزهرا
——————————————————–
* كاتب صحفي .. جريدة حياتي اليوم

عن admin

شاهد أيضاً

بعد مأساة وفاة طفل داخل سيارة.. ماذا تعرف عن متلازمة الطفل المنسى؟

عدد المشاهدات = 4975 بعد أن لقى طفل مصرعه اختناقا نتيجة تركه والده له داخل …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *