الأحد , 28 يونيو 2026

الضلالة النفسية…عندما نرى العالم من خلال مخاوفنا وجراحنا السابقة

= 225

بقلم: د. سناء الجمل

هل نرى الواقع كما هو فعلًا؟ أم أننا أحيانًا نراه من خلال عدسة صنعتها تجاربنا ومخاوفنا وجروحنا النفسية؟

هناك مفهوم نفسي عميق يمكن أن نطلق عليه “الضلالة النفسية”، وهو قدرة بعض الاضطرابات والمشكلات النفسية على تغيير طريقة إدراك الإنسان للواقع، بحيث لا يعود الشخص يتعامل مع الأحداث كما هي، بل كما يفسرها عقله تحت تأثير مشاعره وصراعاته الداخلية.

فالإنسان لا يعيش في الواقع الخارجي فقط، بل يعيش أيضًا في الواقع الذي يبنيه داخله.

قد يمر شخصان بنفس الموقف تمامًا، لكن أحدهما يراه فرصة، والآخر يراه تهديدًا. أحدهما يسمع كلمة عابرة فيفسرها كإهانة، والآخر يسمعها كتعليق عادي. الفرق ليس دائمًا في الحدث نفسه، بل في الطريقة التي يعالجه بها العقل.

في حالات القلق المزمن مثلًا، يصبح العقل في حالة بحث دائم عن الخطر. الشخص القَلِق قد يفسر تأخر رسالة من شخص يحبه على أنها علامة رفض أو تجاهل، رغم أن هناك عشرات التفسيرات الأخرى الممكنة. هنا لا يكون العقل محايدًا؛ بل يعمل من خلال نظام إنذار داخلي يضخّم الاحتمالات السلبية.

أما الاكتئاب فقد يصنع نوعًا آخر من الضلالة الإدراكية؛ حيث يرى الإنسان نفسه والعالم والمستقبل من خلال نظارة قاتمة. قد يعتقد أنه فاشل، أو غير محبوب، أو أن حياته بلا معنى، ليس لأن هذه حقائق مؤكدة، بل لأن الحالة النفسية أثرت على طريقة تفسيره للأدلة الموجودة حوله.

وفي العلاقات العاطفية تظهر الضلالة النفسية بشكل واضح. الشخص الذي تعرض للخذلان أو الهجر قد يبدأ في رؤية كل علاقة جديدة من خلال ألم العلاقة القديمة. أي اهتمام قد يراه محاولة للسيطرة، وأي مسافة بسيطة قد يفسرها كعلامة على التخلي عنه. هو لا يتعامل فقط مع الشخص أمامه، بل مع ذاكرة عاطفية قديمة ما زالت تؤثر على إدراكه.

وهنا تظهر إحدى أكثر الأفكار تعقيدًا في النفس البشرية: نحن لا نرى الناس فقط، بل نراهم من خلال قصصنا السابقة عن الحب، والثقة، والخوف، والقيمة الذاتية.

حتى الغضب يمكن أن يصنع ضلالة نفسية. عندما يكون الإنسان ممتلئًا بالاستياء، يبدأ العقل في جمع الأدلة التي تؤكد غضبه فقط، ويتجاهل الجوانب الأخرى من الصورة. يصبح الآخر “سيئًا بالكامل”، وتختفي التفاصيل التي قد تجعل الحكم أكثر توازنًا.

وهذا يرتبط بما يسمى في علم النفس بـ”التحيزات المعرفية”، وهي أخطاء أو أنماط تفكير تجعل العقل يميل إلى تفسير الواقع بطريقة معينة. فالعقل لا يبحث دائمًا عن الحقيقة، بل أحيانًا يبحث عن تفسير يحافظ على إحساسه بالأمان أو ينسجم مع معتقداته القديمة.

لكن أخطر أنواع الضلالة النفسية هو عندما يعتقد الإنسان أن تفسيره للواقع هو الواقع نفسه.

فقد يقول شخص: “أنا أعرف أنه لا يهتم بي”، بينما الحقيقة أنه يعرف فقط أنه تأخر في الرد. وقد يقول: “الجميع يرفضونني”، بينما الحقيقة أنه مرّ بعدة تجارب مؤلمة جعلته يتوقع الرفض.

الوعي النفسي يبدأ عندما نتعلم الفصل بين “ما حدث” و”ما فهمناه مما حدث”.

السؤال المهم ليس فقط: ماذا حدث لي؟

بل أيضًا: كيف فسّر عقلي ما حدث؟

هل هذا التفسير مبني على حقائق أم على مخاوف قديمة؟

هل أنا أرى الشخص أمامي أم أرى جرحًا سابقًا يتحدث من خلاله؟

النضج النفسي لا يعني أن الإنسان لا يتأثر، بل يعني أن يصبح قادرًا على مراجعة أفكاره ومشاعره قبل أن يجعلها حكمًا نهائيًا على الحياة.

فالعقل قد يكون أعظم أداة للشفاء، لكنه قد يصبح أيضًا السجن الذي نعيش بداخله إذا لم ننتبه للقصص التي يرويها لنا.

وفي النهاية، وعيك بذاتك وقدرتك على مراقبة أفكارك ومشاعرك هو ما يساعدك على رؤية الواقع بوضوح، بدلا من أن ترى العالم من خلال جراحك.

——————————————————————–

* استشارى الإرشاد النفسى والمهنى وتطوير الذات

عن admin

شاهد أيضاً

د. عائشة الجناحي تكتب: حين نفقد البوصلة

عدد المشاهدات = 13755 عاشت حياتها وهي تحاول باستمرار إرضاء الجميع وإدخال البهجة والسرور إلى …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *