كانت طفلة تحمل قلبا أكبر من عمرها، تقف خلف نافذة الأيام تراقب طفولة الآخرين وهي تمر، بينما طفولتها كانت تضيع بين صراخ أب أثقله الشراب، ويد لا تعرف سوى القسوة، وبيت امتلأ بالخوف أكثر مما امتلأ بالدفء.
كبرت وهي تتعلم كيف تخبئ دموعها، وكيف تصنع من أمها وطنا كاملا. كانت أمها الأب حين غاب الأب، وكانت السند حين انكسر كل شيء، وكانت الحضن الوحيد في عالم بارد.
ثم رحل الأب أكثر، اختار حياة أخرى، وزوجة أخرى، وترك خلفه أطفالا يتعلمون معنى الفقد وهم ما زالوا صغارا. لم يعد إلا حين أثقله المرض، وحين خارت قواه، فعاد يبحث في الوجوه التي تركها يوما دون أن يلتفت إلى ما تركه في أرواحها من ندوب.
أما هي، فكانت طوال عمرها تبحث عن شيء واحد… الأمان.
ذلك الشعور البسيط الذي ولد عند غيرها بالفطرة، واضطرت هي أن تقضي عمرها كله تبحث عنه بين الوجوه والقلوب والوعود.
أحبها كثيرون، لكنها كانت دائما تخاف الاقتراب. كانت تخشى أن يتحول كل دفء إلى برد، وكل حضور إلى غياب، وكل وعد إلى خيبة جديدة.
ثم جاء هو…
حب عمرها كما كانت تظن.
أحبته بكل ما تبقى في قلبها من قدرة على الحب، لكنه كان بارعا في الظهور والاختفاء، يقترب حتى تطمئن ثم يبتعد حتى تنكسر. كانت تشرح وتبرر وتمنح الفرص وتداوي ما يجرحه هو بيديه، بينما كان مصرا على أن يترك الوجع ينمو بينهما يوما بعد يوم.
كانت تحاول أن تعلمه كيف يكون الحضور، وكيف يكون الاحتواء، لكنه كان يسمع دون أن يفهم، ويرى دموعها دون أن يدرك ثمنها.
وفي ليلة طويلة من التعب، أدركت الحقيقة المؤلمة:
أن الحب وحده لا يكفي.
فقررت الرحيل وهي في قمة حبها له، لا لأن قلبها توقف عن النبض باسمه، بل لأنها تعبت من انتظار ما لا يأتي.
كانت طوال حياتها تهرب من السموم التي صادفتها في الطريق، حتى صارت تردد في سرها:
“نجوت من جميع سم الأفاعي، وقتلتني فراشة.”
فأي سخريةٍ هذه؟ أن تنجو من القسوة، ومن الفقد، ومن الخذلان، ثم يهزمك شيء ظننته يوما أجمل ما في الحياة.
وها هي اليوم تقف على أطلال سنواتها، لا تبحث عن حب جديد، ولا عن معجزة تنقذها، بل تبحث فقط عن السلام…
عن ذلك الأمان الذي تأخر كثيرا.
عن طفلة صغيرة ما زالت تسكنها، لم تطلب يوما أكثر من أب يحتضنها، وبيت لا تخاف فيه، وقلب يبقى حين تقرر أن تمنحه كل حبها.
وربما كان أجمل ما فعلته أخيرا، أنها اختارت نفسها.
اختارت أن تنجو.
حتى وإن جاءت النجاة متأخرة بعد عمر كامل من البحث.
حياتي اليوم صحيفة إلكترونية يومية