المؤسسات، على اختلاف أنواعها ومسمياتها، لا تدار بالعاطفة، بل تبنى على تراكم المصالح، والانضباط الصارم.. وتفرض على من بداخلها قواعد غير قابلة للنقاش: كالطاعة، والالتزام، والاستمرار..
وأي خروج عن هذا الإطار لا يقابل فقط بالرفض، بل يواجه بعقاب يجعل من الفرد نموذجا رادعا للآخرين.
من هنا، يصبح الاقتراب من هذا العالم أشبه بمحاولة الاقتراب من “عش دبابير”؛
هادئ في ظاهره، لكنه شديد التنظيم والخطورة في داخله.
ولعل أقرب صورة تجسد هذا الصراع، ما قدمه فيلم إبراهيم الأبيض.
حين قرر إبراهيم أن يواجه عبد الملك زرزور، لم يكن الصراع بين طرفين مختلفين في الهدف، بل كان في الأصل بين طرفين يشتركان في نفس المصالح، لكن تحولت تلك المصالح إلى صراع عندما تعلق الأمر بشيء واحد: “حورية”.
إبراهيم اندفع بكل ما يملك من شجاعة وقوة، مدفوعا برغبة الانتصار واستعادة ما يراه حقه..
لكن في المقابل، كان عبد الملك زرزور يتحرك بعقل مختلف تماما؛
لم يعتمد فقط على القوة، بل على “العمق”… عمق الخبرة، وفهم العلاقات، وإدارة المصالح.
وهنا تظهر الفجوة الحقيقية:
حين تصطدم الشجاعة بالعمق، لا تكون النتيجة دائما في صالح الأكثر جرأة، بل في صالح الأكثر فهما.
فعبد الملك لم ينتصر لأنه أقوى جسديا، بل لأنه أدرك كيف تدار المعارك من خلف الستار،
وكيف يمكن توجيه الأشخاص والأحداث لخدمة هدفه.
ولم يكتفِ بذلك، بل استخدم سلاحين في غاية الخطورة:
الخيانة…حين حول أقرب الناس إلى إبراهيم ضده.
والسذاجة… حين استغل مشاعر “حورية” وأقنعها بأن ما يحدث مجرد “قرصة أذن”، بينما كان يدير معركة كاملة.
وبهذا، لم تكن المواجهة مباشرة، بل كانت تفكيكا تدريجيا لإبراهيم من الداخل..
وهذا تحديدا ما تفعله المؤسسات مع أي فرد يحاول اقتحام “عش الدبابير” دون وعي كاف؛
لا تواجهه بشكل صريح دائما، بل تستخدم أدواتها الأكثر تأثيرا.
لذلك، لا بد من التخلى عن فكرة أن الصوت العالي وحده يكفي،
وأن نستبدل الاندفاع بفهم أعمق لقواعد اللعبة.
نحتاج إلى وعي جماعي،
وعي يمتلك نفس “العمق” الذي تتحرك به المؤسسات، لا نفس “الاندفاع” الذي يحرك الأفراد.
لأن الحقيقة التي لا يمكن إنكارها:
أن المؤسسات أقوى من الأفراد،
والمصالح أبقى من العواطف.
حياتي اليوم صحيفة إلكترونية يومية