بقلم: د. سناء الجمل
ربما لم يكن تينيسي ويليامز يقصد فقط بطلة مسرحيته الشهيرة “عربة اسمها الرغبة”، حين اختار هذا العنوان الذي أصبح واحدًا من أشهر عناوين الأدب العالمي. فالرغبة ليست مجرد اسم لعربة تمر في أحد شوارع مدينة نيو أورلينز، بل هي الرحلة الإنسانية كلها. إنها القوة الخفية التي تدفع الإنسان إلى الأمام منذ لحظة ميلاده وحتى آخر يوم في حياته.
كل واحد منا يحمل في داخله عربة صغيرة اسمها الرغبة.
رغبة في الحب، ورغبة في الأمان، ورغبة في النجاح، ورغبة في أن يكون مرئيًا ومسموعًا ومقبولًا. حتى أكثر الناس زهدًا في الحياة تحركهم رغبة ما، ولو كانت الرغبة في السلام أو العزلة أو التحرر من الرغبات نفسها.
الرغبة هي الوقود الذي يحرك الإنسان. لولاها لما بنى حضارة، ولا كتب قصيدة، ولا رسم لوحة، ولا سعى نحو اكتشاف أو إنجاز. إنها الشرارة الأولى التي تجعل الحياة ممكنة. لكن المشكلة أن الرغبة، مثل النار تمامًا، يمكن أن تمنح الدفء ويمكن أن تحرق صاحبها.
لهذا تبدو الحياة أحيانًا وكأنها رحلة طويلة فوق عربة لا نتوقف عن قيادتها، بينما نظن في كثير من الأحيان أننا نحن من نوجهها، مع أن الحقيقة قد تكون العكس. فكم من شخص ظن أنه يختار طريقه بحرية، بينما كانت رغباته القديمة هي التي تختار نيابة عنه؟
الرغبة في الحب قد تدفع إنسانًا إلى بناء أسرة جميلة، لكنها قد تدفع آخر إلى التعلق المرضي بمن لا يبادله المشاعر. والرغبة في النجاح قد تجعل شخصًا يحقق إنجازات عظيمة، لكنها قد تحول شخصًا آخر إلى أسير دائم للمنافسة والاستنزاف. والرغبة في الأمان قد تمنح الإنسان الاستقرار، لكنها قد تجعله أحيانًا يخاف من التغيير إلى درجة تفقده فرصًا لا تعوض والمشكلة ليست في الرغبة ذاتها، بل في علاقتنا بها.
حين تكون الرغبة واعية ومتصالحة مع الواقع، فإنها تصبح قوة بناءة. أما حين تتحول إلى محاولة للهروب من الألم أو سد فراغ داخلي عميق، فإنها تبدأ في سحب الإنسان إلى طرق أكثر وعورة.
وهنا تكمن المأساة التي جسدتها شخصية بلانش دوبوا في “عربة اسمها الرغبة”. لم تكن تسعى فقط إلى الحب أو القبول، بل كانت تحاول أن تهرب من جراحها القديمة عبر تلك الرغبات. كانت تبحث في الآخرين عن دواء لألم لم تستطع مواجهته داخل نفسها. وكلما زادت محاولاتها للهروب، ابتعدت أكثر عن الواقع حتى فقدت القدرة على التمييز بين ما تتمنى أن يكون وما هو موجود بالفعل.
وهذا ما يحدث لكثير من البشر.
نعتقد أحيانًا أننا نبحث عن شخص معين، بينما نحن في الحقيقة نبحث عن شعور افتقدناه منذ سنوات. ونعتقد أننا نطارد هدفًا مهنيًا أو اجتماعيًا، بينما نحن نحاول إثبات قيمة نشعر في أعماقنا أنها مهددة. ونظن أننا نسير نحو المستقبل، بينما نحن في الواقع نهرب من ماضٍ لم نتصالح معه بعد.
إن أخطر الرغبات ليست تلك التي نعرفها، بل تلك التي تسكننا دون أن ندرك وجودها.
الرغبات الواعية يمكن التفاوض معها ومراجعتها وتعديل مسارها. أما الرغبات الخفية فتتحول إلى سائق غير مرئي يمسك بالمقود بينما نتوهم أننا نحن من يقود الرحلة.
لهذا كان الفلاسفة وعلماء النفس عبر العصور يحاولون فهم طبيعة الرغبة. فبوذا رأى أن التعلق المفرط بالرغبات هو مصدر المعاناة الإنسانية. واعتبر شوبنهاور أن الإنسان محكوم بإرادة لا تشبع أبدًا، فكلما حقق رغبة ظهرت أخرى مكانها. أما فرويد فاعتبر أن جانبًا كبيرًا من السلوك الإنساني تحركه رغبات لا واعية لا نعرف عنها إلا القليل.
ورغم اختلاف رؤاهم، فإنهم التقوا عند حقيقة واحدة: الرغبة قوة هائلة، ولا يمكن للإنسان أن يتجاهلها أو يلغيها، لكنه يحتاج إلى فهمها قبل أن تسمح له بقيادتها.
الحياة ليست حربًا ضد الرغبات، كما أنها ليست استسلامًا كاملًا لها. الحكمة ربما تكمن في القدرة على التمييز بين الرغبة التي تنبع من نمو حقيقي، والرغبة التي تنبع من جرح قديم. بين ما يقودنا إلى اكتشاف أنفسنا، وما يدفعنا إلى الهروب منها.
فليس كل ما نريده خيرًا لنا، وليس كل ما نخشاه شرًا بالضرورة.. ومع مرور السنوات يكتشف الإنسان أن النضج لا يعني التخلص من الرغبات، بل فهمها. أن يسأل نفسه من حين لآخر: إلى أين تأخذني هذه العربة؟ هل تقودني نحو حياة أكثر امتلاءً ومعنى؟ أم أنها تدور بي في دوائر مغلقة حول خوف قديم أو فراغ لم أواجهه بعد.
ربما لا يستطيع أحد أن يعيش بلا رغبة. فالرغبة جزء من إنسانيتنا، وهي التي تمنح أيامنا حركة ومعنى. لكن ما يصنع الفارق في النهاية ليس وجود العربة، بل الوجهة التي نسلمها إليها.
فكل واحد منا يحمل في داخله عربة صغيرة اسمها الرغبة. قد تأخذه أحيانًا إلى الحب والأمل والخلق والإنجاز، وقد تقوده أحيانًا أخرى إلى الوهم والتعلق والضياع. وبين الطريقين يقف الوعي، ذلك الرفيق الصامت الذي يذكرنا بأن الرغبة نعمة حين نقودها، وخطر حين نسمح لها أن تقودنا.
————————————————————————————-
- استشارى الإرشاد النفسى والمهنى وتطوير الذات
حياتي اليوم صحيفة إلكترونية يومية