الثلاثاء , 31 مارس 2026

عادل عبدالستار العيلة يكتب: لماذا يغضب أهلُنا في الخليج؟

= 1363

لا أدري حقًّا، ولا أفهم على وجه اليقين سبب هذا الغضب الذي يطفو على السطح كلما اشتدّت عاصفة في الإقليم. لماذا غضب بعضُ أهلنا في الخليج من مصر—بحسب ما يذكرون—لأنها لم تقف معهم في مواجهة إيران في هذه الحرب الدائرة الآن؟ ويقولون إن الخليج وقف مع مصر اقتصاديًّا غير مرة في أزماتها (وهو حقٌّ وفضلٌ لا يُنكر، ولا ينبغي أن يُجحَد)، ومن هنا انطلقت فكرة هذا المقال.
وأقول: إنني حقًّا لا أجد لهذا الغضب عند البعض مبررًا مقنعًا، بل يدهشني أن السؤال ذاته يتكرر مع كل أزمة: أين مصر؟ لماذا لا تتحرك مصر؟ وقد سمعنا الصدى نفسه يتردد إبّان حرب غزة. وكأن مصر—في تصور هؤلاء—قوةٌ مُطلقة، مُطالبة بأن تحمل عن الجميع أعباء المواجهة، وأن تخوض عنهم معاركهم، وتدفع وحدها كلفة الدم والنار!
وأقول لهؤلاء الغاضبين: يا سيدي، إن الخليج نفسه—حتى اللحظة—لم يُطلق رصاصة واحدة تجاه إيران، رغم الضرباتٍ التي تتلقاها بعض أطرافه ليل نهار. فإذا كنتَ أنت لم تُشهر السلاح بعد، ولم تدخل ساحة المواجهة المباشرة، ولم تطلق رصاصة واحدة تجاه ايران فكيف تطلب من غيرك أن يفعل ما لم تفعله أنت؟
ثم إن العلاقات بين الدول لا تُدار بمنطق العاطفة وحدها، ولا بمنطق “الدَّين” الذي يُستوفى عند أول اختبار. نعم، هناك دعمٌ متبادل، وهناك مواقف تُذكر وتُقدَّر، لكن السياسة—في جوهرها—حساباتُ مصالح، وتقديرُ مآلات، وموازنةٌ دقيقة بين القدرة والنتيجة. فالدولة لا تُقحم نفسها في حربٍ إلا إذا رأت في ذلك ضرورةً لا تحتمل التأجيل.
ومصر—شئنا أم أبينا—ليست دولةً هامشية يمكنها أن تُغامر دون حساب، ولا هي كذلك دولةٌ قادرة على خوض كل الجبهات في آنٍ واحد. إن لها من التحديات ما يكفيها: حدودٌ ممتدة، واقتصادٌ يسعى للنهوض، وشعبٌ ينتظر الاستقرار لا المغامرة. ومن ثمّ، فإن أي قرارٍ بالحرب ليس قرارًا عاطفيًّا يُتخذ تحت ضغط اللوم أو العتاب، بل هو قرار وجود … تُوزن فيه الأرواح قبل الكلمات.
إن السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن يُطرح ليس: لماذا لم تتحرك مصر؟ بل: ما الذي يُطلب منها تحديدًا؟ وما حدود هذا الطلب؟ وهل المطلوب موقفٌ سياسي؟ أم دعمٌ دبلوماسي؟ أم دخولٌ مباشر في أتون الحرب؟ فإذا كان الأخير، فهل من العدل—ولا من الحكمة—أن تُطالَب دولةٌ بأن تُلقي بنفسها في النار، بينما الآخرون يقفون بعيد عن اللهب؟
إننا في حاجةٍ إلى إعادة صياغة فهمنا لمعنى “التضامن العربي”. فليس التضامن أن يتحمل طرفٌ واحد عبء المواجهة، بل أن تتكامل الأدوار ويتم ترتيب هذا كمبدأ دائم وليس فقط نتذكره حين وقوع المصيبه
ومصر، حين تختار التريث، أو تسلك مسارًا مختلفًا، لا تفعل ذلك تخلّيًا، بل تقديرًا، وربما حفاظًا على ما تبقّى من توازنٍ في منطقةٍ تكاد تفقد عقلها.
وفي النهاية، يظلّ الودّ بين الشعوب أعمق من خلافات السياسة، وأبقى من توترات اللحظة. وما يجمع مصر بأهل الخليج ليس موقفًا عابرًا، ولا أزمةً طارئة، بل تاريخٌ من الروابط والمصالح والمصير المشترك. ومن هنا، فإن الغضب—إن وُجد—ينبغي أن يُراجع، لا أن يُغذّى، وأن يُفهم في سياقه، لا أن يتحول إلى قطيعةٍ في غير موضعها.
فليهدأ الخطاب، ولتُوزن الكلمات بميزان العقل لا الانفعال، ولنتذكر أن أوطاننا—جميعًا—أكبر من أن تُختزل في سؤالٍ غاضب: “أين مصر؟” بل الأجدر أن نسأل: كيف نكون معًا، دون أن يطلب أحدنا من الآخر ما لا يطلبه من نفسه؟
حفظ الله كل بلادنا العربية
حفظ الله مصر … ارضا وشعبا وجيشا وأزهرا

—————————————————

  • كاتب صحفي …جريدة حياتي اليوم

شاهد أيضاً

داليا جمال تكتب: جريمة تُرتكب أمام أعيننا

عدد المشاهدات = 637 لم تعد ظاهرة التسول فى شوارعنا مجرد مشهد عابر اعتدناه فى …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *