لي زميلٌ كان من أكثر الناس حدّةً في انتقاد أداء الحكومة، لا يفوّت مناسبةً إلا ووجّه فيها سهامه، مستندًا إلى ما يُقال ويُتداول، لا إلى ما يُرى ويُلمس. ثم شاء القدر أن تتبدّل زواية الرؤية؛ إذ اضطرته ظروف الحياة إلى العمل بسيارته في إحدى شركات النقل الذكي ، فصار يتنقّل بين المدن والطرق، يدخل مناطق لم يكن يعرف أسماءها من قبل، ويمرّ بأماكن لم تكن حاضرة في وعيه أو اهتمامه.
هناك، وعلى قارعة الطريق، لا في نشرات الأخبار، بدأ المشهد يختلف. رأى بعينيه مشروعات تُقام، وطرقًا تُشق، وكباري تمتد، ومدنًا تُولد من رحم الصحراء. لم يكن ما يراه شائعات ولا أرقامًا جامدة، بل واقعًا يفرض نفسه على البصر قبل العقل. شيئًا فشيئًا، تغيّرت لغته، وخفّ صوته الناقد، وحلّ مكانه حديثٌ أكثر هدوءًا، لا يبالغ في المدح، لكنه يعترف بما رأى، لا بما سمع.
من هنا وُلدت فكرة هذا المقال، ومن هنا جاء عنوانه: نجاح في الظلام.
نعم، هناك عملٌ كثير يجري على الأرض، لكن المعضلة ليست في غيابه، بل في غياب رؤيته. الناس في هذا الوطن فريقان: فريق يسمع عن هذه المشروعات سماعًا عابرًا، لا يراه ولا يلمسه، وفريق آخر لم يسمع ولم يرَ شيئًا على الإطلاق. وبين هذا وذاك، يفتح الفراغ أبوابه واسعة لكل من أراد التشكيك، فيجد الطريق ممهّدًا، ويجد العقول القلقة أرضًا خصبة لزرع عدم اليقين.
الخطر الحقيقي ليس في النقد، فالنقد ضرورة، بل في أن يتحوّل النقد إلى حالة دائمة من الشك، لا يغذّيها نقص العمل، وإنما نقص الرؤية. فالعمل حين يُنجز في الظلام، يظل كأنه لم يكن، ويصبح من السهل إنكاره أو التقليل من شأنه.
من هنا تأتي دعوتي الصريحة إلى التلفزيون المصري: نريد برنامجًا يوميًا، ثابتًا على خريطة البث، وفي توقيت يليق بحجم الفكرة. برنامجًا بسيطًا في شكله، عميقًا في أثره، يحمل الكاميرا ويخرج بها من الاستوديو إلى الشارع، ومن العاصمة إلى الأطراف، ومن المدن الكبرى إلى القرى البعيدة.
نريد أن نرى كل شبر يُقام عليه عمل: مشروع اكتمل، وآخر لا يزال تحت الإنشاء، طريق يُمهد، ومدرسة تُبنى، ومستشفى ترتفع جدرانه الأولى. لا نريد خطابًا دعائيًا، ولا لغة احتفالية زائدة، بل صورة صادقة تقول للمواطن: هذا ما يحدث على أرضك، وهذا جهد يُبذل باسمك.
( فيه شغل بيتعمل علي الارض محتاج الكاميرا تلف سنة كامله علي ما تغطي الشغل اللى على الارض دا … لكن فيه شغل واحنا لا نعرف عنه شيئا !!).
مثال: وأنا شاهد عيان عليه … حين قدت السيارة على سرعة 120 كيلومترا ولمدة 20 دقيقة من بداية سور محطة الضبعة حتى نهايته .. هذا هو عرض مساحه المشروع فما بالك ما يتم بداخله).
قد تبدو الفكرة بسيطة، لكنها في جوهرها شديدة العمق؛ لأنها لا تروّج، بل تكشف، ولا تُقنع بالكلام، بل بالعين. وحين يرى المواطن، يطمئن، وحين يطمئن، يسقط سلاح التشكيك من يد كل من أراد أن يصنع من الغموض حالة دائمة من القلق وعدم اليقين.
فالأوطان لا تُبنى فقط بالإسمنت والحديد، بل تُبنى أيضًا بالثقة…
والثقة لا تولد في الظلام.
حفظ الله مصر … ارضا وشعبا وجيشا وازهرا
—————————————————————–
* كاتب صحفي … جريدة حياتي اليوم
حياتي اليوم صحيفة إلكترونية يومية