الجمعة , 6 مارس 2026

داليا جمال تكتب: تبرعوا.. لجيوب المتسولين!

= 39536

قبل أن يهل الهلال وتتعالى التكبيرات ونحن نتبارى لشراء الفوانيس هناك من يرفع عينه إلى السماء لا شوقًا للعبادة بل استعدادًا للحصاد، رمضان بالنسبة له ليس شهرًا للغفران بل موسم تجارى مضمون تتضاعف فيه الأرباح وتلين فيه القلوب وتصبح الجيوب أسهل فى الفتح من أى وقت آخر.

فجأة تمتلئ الشوارع بعائلات كاملة لم نكن نراها طوال العام، عجائز يفترشن الأرصفة، وأطفال يتكئون على أكتاف أمهات يخفين ملامحهن بعناية كأن الوجوه يجب ألا تحفظ والملامح يجب ألا تتذكر، تتكرر المشاهد من حى إلى حى ومن إشارة مرور إلى أخرى وكأن هناك خريطة توزيع صامتة تدير المشهد بدقة.

أطفال صغار بعيون زائغة، وأجساد واهنة يتم استخدامها كأدوات استدرار عطف لا أكثر، دعوات جاهزة تنهمر عليك إن دفعت، وتتحول فى لحظة إلى نظرات غضب وكلمات مسمومة إن امتنعت، وكأن الصدقة فريضة تؤدى للناس لا عبادة خالصة لله.. ثم تنتقل اللعبة من الرصيف إلى الشاشة تظهر حملات براقة «اتبرع لتغرس نخلة، اتبرع لتحفر بئرًا، اتبرع لتسقى عطشانا، موسيقى مؤثرة وصور تبكى الحجر»، وأرقام حسابات تتلقى الملايين بلا سؤال حقيقى عن الرقابة أو الشفافية.

والأخطر أن بعض الوجوه التى تتصدر هذه الحملات تختبئ خلف لحية كثيفة وجلباب أبيض وصوت متهدج بالوعظ فيغتر الناس بالمظهر وينسون أن التقوى لا تقاس بطول اللحية ولا بلون الثوب فليس كل من ارتدى عباءة بيضاء وليًا من أولياء الله كم من قضية انكشفت وكم من حسابات بنكية فاضت بالملايين بعد القبض على أصحابها لنعرف متأخرين أين ذهبت صدقاتنا.

وسط كل هذا يضيع المستحق الحقيقى مريض فقير فى مستشفى حكومى ينتظر ثمن دواء، أسرة متعففة تخجل من السؤال لكنها تعجز عن سداد مصروفات دراسة أو توفير قوت يوم، هؤلاء لا يصرخون فى الشوارع ولا يظهرون على الشاشات لكنهم أولى بكل جنيه يخرج من جيوبنا.

رمضان شهر رحمة لكنه أيضًا اختبار وعى لا يكفى أن نعطى بل يجب أن نعرف لمن نعطى حتى لا تتحول الرحمة إلى سلعة والعطاء إلى تجارة والهلال إلى إعلان رسمى لافتتاح موسم نصب جديد كل عام، عنوانه تبرعوا لجيوب المتسولين.

—————————

* مدير تحرير أخبار اليوم.

شاهد أيضاً

نوع مختلف من الخيانة … بقلم: عادل عبدالستار العيلة

عدد المشاهدات = 3657 الحياةُ الزوجيةُ لا تقومُ على سقفٍ يُظلِّل جسدين، ولا على عقدٍ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *