بقلم / عادل عبدالستار العيلة
من يقرأ التاريخ بوعي لا يقرأه للمتعة فقط، بل ليحتمي به من تكرار الأخطاء. فالتاريخ، في جوهره، ليس سردًا للماضي بقدر ما هو دليل إرشاد للمستقبل.
ولو تأملنا تجربة مصر في عهد الرئيس جمال عبد الناصر سنجد درسًا بالغ الدلالة.
فعبد الناصر كان قائدًا طموحًا، ممتلئًا بالحيوية والرغبة في بناء دولة قوية. بدأ مشروعه بتأسيس المصانع، ودعم الصناعات الثقيلة، والاهتمام بالصناعات الحربية، والسعي إلى امتلاك قدرة إنتاجية حقيقية تمنح مصر استقلالها الاقتصادي والعسكري. بل إن مصر في ذلك الوقت بدأت بالفعل خطوات مهمة في مجال التصنيع العسكري بالتعاون مع دول مثل الهند.
وفي الوقت ذاته، كان عبد الناصر ينظر إلى مصر باعتبارها قلب محيطها العربي، فدعم حركات التحرر وسعى إلى مساندة جيرانه وبناء دور إقليمي واسع.
لكن بينما كانت مصر تسير في طريق بناء قوتها، كانت هناك قوى أخرى تراقب هذا الصعود بعين القلق.
فقواعد السياسة الدولية نادرًا ما تسمح لدولة صاعدة بأن تتجاوز حدودًا معينة من القوة دون مقاومة. وكانت الولايات المتحدة وإسرائيل ضمن القوى التي لم يكن يروق لها أن ترى مصر تتقدم اقتصاديًا وعسكريًا بهذا الشكل.
ومن هنا بدأ أسلوب آخر في المواجهة: الاستنزاف غير المباشر.
لم تكن المواجهة دائمًا عبر حرب مباشرة، بل عبر توريط مصر في صراعات جانبية تستهلك قدراتها وتستنزف مواردها. وكان المثال الأبرز هو حرب اليمن، التي دخلتها مصر بدوافع سياسية واستراتيجية، لكنها تحولت مع الوقت إلى عبء ثقيل استنزف الجيش والاقتصاد، خاصة مع وجود أخطاء داخلية في التقدير والحساب.
وكانت النتيجة أن دخلت مصر مرحلة صعبة انتهت بأحداث يعرفها التاريخ جيدًا.
واليوم، إذا نظرنا إلى الواقع المصري المعاصر، سنجد بعض ملامح التشابه.
فمصر يقودها أيضًا رئيس طموح ونشيط، بدأ مشروعًا واسعًا لإعادة بناء الدولة: تطوير الجيش، وإقامة بنية تحتية ضخمة، وبناء مدن جديدة، وإحياء الصناعة، والتوسع في الرقعة الزراعية، ومحاولة إعادة تشكيل الاقتصاد ليكون أكثر قدرة على الصمود.
ومرة أخرى، هناك من يراقب هذا المسار بدقة.
وفي عالم تحكمه المصالح، فإن صعود قوة إقليمية بحجم مصر لا يمر دائمًا دون قلق لدى قوى أخرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة وإسرائيل.
ولهذا يصبح من الطبيعي أن تظهر محاولات لجرّ مصر إلى صراعات أو أزمات جانبية يمكن أن تستهلك طاقتها وتعرقل مسارها التنموي.
أنا لا أتبنى فكرة المؤامرة بمعناها السطحي، لكن الحقيقة الثابتة في السياسة الدولية هي أن الدول الكبرى تتحرك دائمًا لحماية مصالحها، حتى لو أدى ذلك إلى إرباك مسار دول أخرى.
غير أن الفارق الجوهري اليوم هو أن مصر تعلمت من تاريخها.
فالتجربة القاسية التي مرت بها الدولة المصرية في الماضي تركت درسًا واضحًا:
القوة الحقيقية لا تُبنى في ميادين الحروب فقط، بل تُبنى أولًا في المصانع، والحقول، والطرق، والمدارس.
ولهذا يبدو أن السياسة المصرية اليوم أكثر حرصًا على تجنب التورط في حروب جانبية، وأكثر تركيزًا على البناء الداخلي واستعادة القوة الشاملة للدولة.
فالدول الحكيمة لا تدخل كل معركة تُعرض عليها.
الدول الحكيمة تختار معاركها بدقة…
وتدرك أن أخطر الحروب ليست تلك التي نخسرها، بل تلك التي تستنزفنا قبل أن نحقق ما نريد.
حفظ الله مصر … ارضا وشعبا وجيشا وأزهرا
———————————————————–
- كاتب صحفي … موقع حياتي اليوم
حياتي اليوم صحيفة إلكترونية يومية