السبت , 21 مارس 2026
استطلاع الهلال - أرشيفية

صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته

= 10313
بقلم فضيلة الشيخ/ حسن الموافي
هذا المقال جزء من البحث الذي قدمته لمجمع فقهاء الشريعة بأمريكا في مؤتمره الثالث الذي انعقد بنيجيريا..
وقد تحدثت عن: صاحب الفضيلة الأستاذ الأكبر الشيخ عبد الرحمن تاج شيخ الجامع الأزهر والهلال:
في صدر عدد رمضان من سنة 1376 هجرية من مجلة الأزهر مقال لشيخ الأزهر الشريف صاحب الفضيلة الأستاذ الأكبر الشيخ عبد الرحمن تاج شيخ الجامع الأزهر تحدث فيه عن إثبات رمضان وذي الحجة، وبيان الحكم في اختلاف المطالع. وسنبين بعون الله ما قال بتصرف يسير مع التعقيب.
الحديث الشريف: ((صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين))( ) من خير ما أرشدنا به الرسول × في إثبات شهر رمضان فقد ربط ثبوت الشهر شرعا بهذه العلامة الحسية، وعلق وجوب الصوم على تحقيق الرؤية البصرية، رؤية الهلال بعد غروب شمس اليوم التاسع والعشرين من شهر شعبان، فإذا كانت رؤية الهلال مستحيلة في ذلك اليوم بأن كان القمر لم يتم بعد دورة كاملة يتحقق فيها الاجتماع تم الانفصال الذي يسمى ” الميلاد ” أو كان هناك عارض من العوارض الجوية التي تحول دون الرؤية – كالغيم وبخار الماء والدخان والغبار – فقد أرشد النبي × إلى ما يتبع في ذلك: فأمر بإكمال شعبان ثلاثين يوما، ثم يدخلون في شهر رمضان دون حاجة إلى تفقد الهلال في الليلة التالية.
غير أن هناك أمرا قاطعا يجب النظر إليه، والفصل فيه بحكم يقطع الاختلافات التي تقع كثيرا بين أهل الأقطار الإسلامية، في اليوم الذي يبدءون فيه الصيام.ذلك أن بعض هذه الأقطار، قد يتيسر لأهله رؤية الهلال في حين أنه تتعذر رؤيته على أهل قطر آخر، فهل يجوز أن يعتمد من لم ير الهلال على من رأى فيصومون بصيامهم، ويتوحد بذلك مظهرهم جميعا في أداء عبادة من أهم العبادات.
حقاً إن مواقع البلاد على الكرة الأرضية مختلفة شرقا وغربا وشمالا وجنوبا، واختلاف هذه المواقع يوجب بالضرورة اختلافا وتفاوتا في المواقيت، فتشرق الشمس على قوم قبل أن تشرق على آخرين بساعة وساعتين وأكثر من ذلك وأقل على حسب التباعد بين الجهتين شرقا وغربا، ولذلك لا يمكن أن توحد مواقيت الصلوات اليومية ولا أوقات الإمساك والإفطار في أيام رمضان، في جميع الأقطار الإسلامية مادامت الأوضاع قاضية بتفاوت تلك المواقيت، فإن كل ساعة من ساعات الليل والنهار، هي وقت طلوع الفجر وشروق الشمس، وهي وقت ضحى وزوال وعصر وغروب، وهي وقت ظلمة الليل، أوله ووسطه وآخره، على حسب مواقع البلاد.لكن اختلاف المواقع الذي يبلغ به التفاوت في المواقيت، ذلك المبلغ العظيم ليس له مثل هذا الأثر البالغ، فيما يرجع إلى إثبات الأهلة، فإنه ليس بين الأقطار الإسلامية الشرقية والغربية – في أغلب الأحوال – تفاوت يتعذر معه تحقيق الفكرة التي نريدها من توحيد أمر الصيام، بعد أن تتفق الدول الإسلامية جميعها على توحيد العمل برؤية الهلال، متى ثبتت ثبوتا أكيدا في أي قطر من الأقطار الإسلامية.إن علماء الفلك يقررون أن هلال رمضان هذا العام (1376 هجرية) سيمكث فوق الأرض في مصر ثلاث عشرة دقيقة بعد غروب الشمس من يوم الأحد الحادي والثلاثين من شهر مارس سنة 1957 م، فإذا لم يتمكن بعض أهل المشرق في إندونيسيا أو الهند مثلا من رؤية الهلال بعد غروب الشمس عندهم في ذلك اليوم، ثم رآه أهل الحجاز أو أهل مصر، بعد غروب الشمس من اليوم نفسه، فما الذي يمنع من اعتبار أن هذا الهلال هو هلال رمضان بالنظر إلى الهند وإندونيسيا وما إليهما من بلاد الشرق.إنه لاشك في أن هذا الهلال هلال جديد، هو هلال رمضان، كما أنه لا شك في أن النهار الذي يليه هو نهار ” الاثنين ” بالنظر إلى جميع الأقطار؟ فما المانع من أن يكون يوم الاثنين هذا هو أول أيام الصيام لجميع المسلمين، مع فارق واحد ليس له كبير تأثير: وهو أن هذا اليوم ” الاثنين ” يبدأ عند أهل المشرق قبل غيرهم من أهل مصر أو الحجاز مثلا ببضع ساعات، إنه لا شبهة في أن ذلك الهلال هلال جديد وهو منذ اللحظة التي يولد فيها –هلال جديد بالنظر إلى أقطار الأرض جميعها، وأن رؤيته في الحجاز أو في مصر تكون قبل انقضاء الليل عند أهل المشرق، الذين لا يتمكنون من رؤيته في أول ليلة، ولذلك هم يرونه في الليلة التالية أكبر حجما، وأعلى في الأفق منزلة مما يكون في الليلة الأولى عند أهل الحجاز أو مصر الذين يكونون قد تمكنوا من رؤيته فيها، ومن هنا اختار كثير من أئمة الفقه في المذاهب الأربعة عدم التعويل على اختلاف المطالع في إثبات الهلال، وهو رأى قوي، ووجهة نظر سديدة، ويزيد ذلك قوة وسدادا أن توحيد بدء الصيام من أقوى العوامل على تمكين الروابط بين الشعوب الإسلامية في جميع أقطار الأرض وجمعهم على كلمة واحدة، والناس الآن أحوج ما يكونون إلى عوامل التآلف والتقارب واتحاد الكلمة.
وهذا الرأي السديد، لا يتنافى مع ما دل عليه الحديث: صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته ” فإن ذلك خطاب للأمة الإسلامية المتكافلة المتعاونة في إقامة شعائر الدين. وإيجاب الصوم على جميع المكلفين متى تحققت رؤية الهلال، فيكفي إذا لإيجاب الصوم على أهل قطر أن تثبت رؤيته ولو في قطر آخر، فإن الحديث لم يذكر فاعل المصدر الذي هو ” رؤية ” بل أتى بهذا المصدر على طريقة الفعل المبنى للمجهول، فكأنه يقول: صوموا إذا رئي الهلال ” يعنى إذا تحققت رؤية الهلال، وإذا لا فرق بين قطر وقطر فيما يرجع إلى ثبوت الهلال؛ كما أنه لا فرق بين بلد وبلد من قطر واحد،هذا ولا ينبغي أن يتوهم أحد أن قول الله تعالى:” فمن شهد منكم الشهر فليصمه ” معناه: من رأى هلال رمضان فليصمه. فإن ذلك يتنافي مع فكرة توحيد البدء بالصيام – فإن الشهود في الآية، ليس معناه الرؤية، فالأعمى والمبصر سواء في إيجاب الصوم، وإنما الشهود معناه الحضور. والمعنى من حضر شهر رمضان وأدرك زمنه وجب عليه الصوم؛ متى كان أهلا للتكليف بالصوم.
وخلاصة القول أنه مادامت مسألة اختلاف المطالع، واعتبارها أو عدم اعتبارها، محل اجتهاد الفقهاء – ذلك الاجتهاد الذي اختلفت فيه أنظارهم- فلا يكون بدعا أن يرجح أحد النظرين على غيره، ويفصل في المسألة بعدم التعويل على اختلاف المطالع، نظرا لما قدمناه من أسباب هذا الترجيح.وأجاب عن سؤال القائل: إن هذا التوحيد إن صح أن يجرى على القطر الذي رأى أهله الهلال مع الأقطار الواقعة غربه، فكيف يتحقق بين ذلك القطر والأقطار التي في الجانب الشرقي منه ولاسيما التي هي في نهاية الشرق الأقصى؟.بقوله: إنه إذا رئي الهلال في مصر في ليلة، فإن هذه الليلة – من وقت غروب الشمس – تكون من الشهر الجديد، بالنظر إلى أهل مصر، ولزم أن تكون كذلك بالنظر إلى أهل تونس والجزائر ومراكش، من وقت غروب الشمس عندهم أيضا، لأن رؤية الهلال تكون في هذه الأقطار أيسر منها في مصر لعلو منزلة القمر فوق الأفق هنالك، بسبب تأخر غروبه عن غروب الشمس أكثر مما يكون في مصر، لكن تلك الليلة التي تحتسب من الشهر الجديد لمصر وللبلاد الواقعة غربيها لا تكون جديدة لأهل الأقطار الشرقية كالهند وباكستان وإندونيسيا ما دام نظام دورة القمر لا يسمح برؤيتهم الهلال بعد غروب الشمس.و أجاب عن هذا الإشكال بأن حالة البلاد الواقعة شرقي قطر رأى أهله الهلال تختلف قليلا أو كثيرا عن حالة البلاد الواقعة غربي هذا القطر، لكن هذا الاختلاف لا يمنع من الأخذ بفكرة توحيد الصوم، فإنه إذا كان الفرق بين قطر شرقي وآخر غربي يكون أهله قد رأوا الهلال – هو بضع ساعات لا تبلغ ليلة كاملة يصير بها أحد القطرين في ليل والقطر الآخر في نهار فإنه يمكن توحيد بدء الصوم.فمتى تحققت رؤية الهلال في بلد من البلاد الإسلامية فإنه يمكن القول بوجوب الصوم على جميع المسلمين الذين تشترك بلادهم مع بلد الرؤية في جزء من الليل الجديد.ولا يمنع هذا التوحيد أن يكون الليل الجديد متحققا في بعض البلاد الإسلامية – بلد الرؤية وما يقع غربيها – عقب غروب الشمس؛ على حين يكون تحققه في البلاد الشرقية قبل ذلك بساعة أو بساعات إلى ما قبل طلوع الفجر، وعلى هذا الاعتبار- اعتبار أن اشتراك أي بلد إسلامي مع بلد الرؤية في جزء من الليل الجديد يحتم اشتراكهما في بدء الصيام – يجب الصوم على أهل البلاد الإندونيسية جميعها وما في حكمها بل على من هم أبعد من ذلك في جهة الشرق إذا رؤى الهلال في مصر، أو في الحجاز مثلا.ومن باب أولى إذا ثبتت رؤية الهلال في قطر من الأقطار الواقعة شرقي مصر أو الحجاز.أما أهل البلاد التي لا تشارك بلد الرؤية في جزء من الليل الجديد فإنهم يكونون حينئذ في نهار يعتبر آخر نهار من شعبان، فعليهم أن يصوموا النهار الذي يتلو عندهم ذلك الليل الجديد. وتكون النتيجة أن أهل الأقطار جميعها حين يصومون النهار التالي لتحقق الرؤية في قطر من الأقطار يكونون صائمين في نهار جديد من شهر جديد.
وبعد، فهذا البيان الذي يمكن أن يجعل أساسا في العمل على توحيد الأقطار الإسلامية في الحكم بثبوت الهلال متى ثبتت رؤيته يقينا في بلدة منها لا يقتصر أمره على هلال رمضان، بل الحكم كذلك في ثبوت هلال ذي الحجة الذي يتعلق به أمر شعيرة كبرى، هي شعيرة الحج والوقوف بعرفة.فإنه إذا رئي هلال ذي الحجة من هذا العام في بلدة جاكارتا أو كراتشي مثلا بعد غروب الشمس من يوم الجمعة الثامن والعشرين من شهر يونيو سنة 1957م، فإن نظام دورته يسمح برؤيته حتما في الحجاز ومصر وما بعدهما من جهة الغرب، وتكون الليلة الجديدة من شهر ذي الحجة. وهي ليلة السبت التاسع والعشرين من شهر يونيو في كل قطر من هذه الأقطار ثابتة عقب غروب الشمس من أفقها. وإذا يكون الوقوف بعرفة يوم الأحد وهو اليوم التاسع من الشهر العربي من أوله من غير شك.
أما إذا رئي الهلال بعد غروب الشمس من ذلك اليوم ” الجمعة ” في مصر أو في تونس أو مراكش أو في ” داكار ” على المحيط الأطلسي، وكان نظام دورة القمر
لا يسمح برؤيته في ذلك اليوم في بلاد الحجاز؛ كانت الليلة الجديدة ثابتة في بلد الرؤية عقب غروب الشمس من أفقها. أما بلاد الحجاز فإنها لا تدخل في الليل الجديد إلا بعد ذلك بمقدار ما بينهما وبين بلد الرؤية، لكنها تشترك معها في جزء عظيم من الليل الجديد، وإذا تشترك معها في جزء عظيم من نهار الأحد الذي هو اليوم التاسع من ذي الحجة حسب الرؤية
ومما تقدم يتبين أن الأمر في توحيد الأقطار الإسلامية على مبدأ ذي الحجة أيسر وأقرب منه عن موضوع الصيام وثبوت هلال رمضان، لأن الفرق الزمني بين الحجاز وآخر بلد من بلاد الغرب الإسلامية قليل لا يمنع اتحاد الإقليمين في حكم ثبوت الهلال لأنهما يشتركان بكل تأكيد في جزء عظيم من الليل، وكذلك في جزء عظيم من النهار.
وعلى هذا لا يظهر سبب وجيه لما يقرره بعض الذين لا يعولون على اختلاف المطالع من استثناء شهر ذي الحجة، واعتبار أن إثبات هلاله مقصور على بلد الحج نفسه، والله الهادي والموفق للصواب. وأوجب على المسلمين أن يهتموا باستقبال رمضان، وأن ينهضوا لتحري الهلال عقب غروب الشمس من اليوم التاسع والعشرين من شهر شعبان، كي يبنوا عبادتهم على يقين وطمأنينة. ويكونوا عاملين بنص الحديث الصحيح:” صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، ولا ينبغي لهم أن يتهاونوا في هذا الأمر العظيم، ويقعدوا عن التماس الهلال اعتمادا على أن الفلكيين قد كفوهم مئونة البحث عنه، وأعفوهم من مشقة رصده وتكلف رؤيته بما قاموا به من حساب يعرف دورة القمر، ووقت ميلاده، ومبدأ الشهر القمري ونهايته. ولماذا لا يتخذ المسلمون هذا الحساب الفلكي عاملا مساعدا يسهل لهم مهمة البحث، ويمكنهم من رؤية الهلال في غير عسر؛ بما يبين لهم من منزلة القمر ومقدار ارتفاعه وغاية مكثه فوق الأرض، وبما يحدد لهم من المسافة بينه وبين نقطة مغيب الشمس يمينا أو يسارا – حتى لا تزيغ الأبصار، وتضطرب في تعرف موقعه وتفوت الرؤية بفعل هذا الاضطراب؟.
إن تقدم علم الفلك وبراعة أهله فيما يعالجون من شئونه ومعرفتهم الدقيقة بأحوال القمر ومنازله سهل لهم تحديد أوائل الأشهر القمرية ونهاياتها ويجعلنا نستعين بهم ولا يكون ذلك مثبطا لهمم المسلمين عن أن ينهضوا لاستقبال الهلال أن يروه رؤية عينية، فإن ذلك هو غاية العلم، وهو عين اليقين. ولقد يسر الله أمر الرؤية في هذا العصر، بما اخترعه العلماء من الآلات الحديثة التي يسهل بها كشف الهلال في ليلته الأولى، مهما كان صغيرا دقيقا ما لم تكن هناك موانع تمنع من الرؤية بسبب طغيان أشعة الشمس على الأفق أو دخان أو بخار ماء أو أي مانع آخر.وإذا كانت الشريعة لم تفرض على الناس في تحري الهلال أكثر من التماسه بالعين المجردة، ولم تحتم عليهم أن يتكلفوا البحث عنه بوسائل أخرى – رحمة بهم وتخفيفا عليهم – فإن ذلك لا يمنع أن تستخدم تلك الوسائل التي تسهل رؤيته والتثبت منه ما دامت موفورة ميسرة.فإذا اهتم المسلمون في الأقطار كلها بهذا الأمر الديني العظيم وبذلوا عنايتهم في التماس الهلال وتحري رؤيته بعد غروب اليوم التاسع والعشرين من شهر شعبان واتفقوا على أن يعلم بعضهم بعضا بنتيجة ذلك التحري، وعلى وجوب الاعتماد على قرار أية دولة إسلامية يكون قد ثبت لديها حلول شهر رمضان بما تحقق من رؤية هلاله بالعين المجردة، أو بالأجهزة الحديثة الموضحة المكبرة، إذا اهتم المسلمون وعنوا بذلك العناية التامة فإنه لا يمكن أن تفوتهم جميعا رؤية الهلال، متى كان نظام دورته يساعد على هذه الرؤية.
التعقيب على الأستاذ الأكبر الشيخ عبد الرحمن تاج شيخ الجامع الأزهر:
يقول الشيخ الجليل:” لكن اختلاف المواقع الذي يبلغ به التفاوت في المواقيت ذلك المبلغ العظيم ليس له مثل هذا الأثر البالغ، فيما يرجع إلى إثبات الأهلة، فإنه ليس بين الأقطار الإسلامية الشرقية والغربية في أغلب الأحوال تفاوت يتعذر معه تحقيق الفكرة التي نريدها من توحيد أمر الصيام – بعد أن تتفق الدول الإسلامية جميعها على توحيد العمل برؤية الهلال – متى ثبتت ثبوتا أكيدا في أي قطر من الأقطار الإسلامية” وأقول: إن الإسلام رسالة عالمية لا تختص بقطر دون قطر ولا بأقطار دون أقطار، وما ذا تصنع الأقليات الإسلامية هل لا نأخذ برؤيتها؟ هل نقاطعها فلا نفتيها؟ هل لا نقول لهم إنهم في عيد فلا تصوموا؟ أو أنتم في رمضان فصوموا. وكما أن الأقطار على وجه الأرض تصلي الصبح في أربع وعشرين ساعة، فكذلك يمسكون عن المفطر في أربع وعشرين ساعة، وكما أنهم لا يصلون الفجر إلا بعد طلوعه في بلدهم؛ فكذلك لا يجب عليهم الصوم إلا عند طلوع القمر في بلدهم، والقول بأن البلاد التي تشترك في جزء من الليل مهما قل هذا الجزء تكفي رؤية أحدها، وعلى اعتبار أن آخر الليل مع طلوع الفجر لا مع شروق الشمس، فإن هذا القول يحرم من كانوا في آخر الليل من تبييت النية عند من يشترط تبييت النية في الفرض، وكما يحرمهم من السحور وكما يعرضهم لإعادة اليوم بعد صومه لأنهم لم يبيتوا النية، ويحرمهم من النوم حتى الصباح انتظارا لمن يقول لهم ثبتت الرؤية في بلدة كذا التي تشارككم في جزء من الليل فعليكم الصوم، فالهلال في ساعته الأولى من الشهر لا يظهر بعد غروب الشمس مباشرة نظرا لنورها الذي يطمس نور الهلال، وإنما يظهر بعد مدة يكون من عندهم الفجر قد أوشكت شمسهم على الظهور، ويقول:” إن علماء الفلك يقررون أن هلال رمضان في هذا العام (1376هجرية) سيمكث فوق الأفق في مصر ثلاث عشرة دقيقة بعد غروب الشمس من يوم الأحد الحادي والثلاثين من شهر مارس سنة 1957 م، فإذا لم يتمكن بعض أهل المشرق في إندونيسيا أو الهند مثلا من رؤية الهلال بعد غروب الشمس عندهم في ذلك اليوم، ثم رآه أهل الحجاز أو أهل مصر بعد غروب الشمس من اليوم نفسه؛ فما الذي يمنع من اعتبار أن هذا الهلال هو هلال رمضان بالنظر إلى الهند وإندونيسيا وما إليهما من بلاد الشرق “
و أقول إن الشيخ الجليل على يقين بأن القمر قد غرب قبل غروب الشمس في هذا اليوم في إندونيسيا وما إليها من بلاد الشرق فكيف يكون عندهم رمضان قبل أن يحين رمضان.
ويقول: “إن توحيد بدء الصيام من أقوى العوامل، على تمكين الروابط بين الشعوب الإسلامية في جميع أقطار الأرض”.
و أقول: حقا. ولكن عند من جاء عندهم رمضان، وهو يجئ للدنيا في أربع وعشرين ساعة،وبداية اليوم الزوالي ليست مع بداية اليوم الغروبي لا من حيث الزمان ولا من حيث المكان فاليوم الزوالي مرتبط بخطوط الطول واليوم العربي أو الغروبي مرتبط بنصف دائرة الضوء الفاصلة بين ما قبل المغرب وما بعده والذين تزول عنهم الشمس في آن واحد اليوم، هم الذين تزول عنهم الشمس في آن واحد كل يوم، وليس كذلك في اليوم الغروبي، ﴿فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ﴾( ) فالمشارق متعددة والمغارب متعددة كل يوم بخلاف ما قبله وما بعده.ويقول: ” وعلى هذا الاعتبار: اعتبار أن اشتراك أي بلد إسلامي مع بلد الرؤية في جزء من الليل يحتم اشتراكهما في بدء الصيام “، يجب الصوم على أهل البلاد الإندونيسية جميعها ومن في حكمها، بل على من هم أبعد من ذلك من جهة الشرق إذا رؤى الهلال في مصر أو في الحجاز مثلاً “
وأقول إذا كانت الرؤية في مصر لا تزيد عن ثلاث عشرة دقيقة، كما حكى عن علماء الفلك، فإن نظام دورة القمر لا يسمح لأهل إندونيسيا ومن كان أبعد منها من جهة الشرق برؤية الهلال، فكيف يحتم عليهم الصوم قبل دخول الشهر عندهم؟
وهل يصومون وينوون الصيام عندما يعلن مفتي مصر عشاء أن شهر رمضان قد قدم ويكون الفجر عندهم قد لاح فيصومون بلا سحور وبلا نية، وربما كانت الشمس قد طلعت فعليهم أن يكفوا عن المفطرات مع إعادة هذا اليوم. ومن القائل أن البلاد التي تشترك في جزء من الليل ورأت الهلال من عندها أول الليل أن على من عندها آخر الليل أن تبدأ معها الصوم؟ هل قرآن؟ أم سنة؟ أم قياس؟ أم إجماع؟ لا هذا ولا ذاك.
ويقول: “فإنه إذا رئي هلال ذي الحجة من هذا العام في بلدة جاكارتا أو كراتشي مثلاً”.
وأقول: إذا ما طبقت قاعدة أن اشتراك أي قطرين في جزء من الليل فإنه يلزم البلد الشرقي ما لزم البلد الغربي، فإذا رئي الهلال في جاكارتا وهي تشترك مع الولايات المتحدة الأمريكية وكندا في ساعات من الليل، وأهل جاكارتا يسبقون الولايات المتحدة وكندا بيوم، فإذا كان عند جاكارتا الجمعة فعند الولايات المتحدة وكندا الخميس فكيف نصنع في التوحيد وهو غير ممكن، لأن هؤلاء في يوم؛ وهؤلاء في يوم آخر أبد الدهر؟
ويقول: أما إذا رئي الهلال بعد غروب الشمس من ذلك اليوم ” الجمعة ” في مصر أو في تونس أو في مراكش أو بلد داكار على المحيط الأطلسي، وكان نظام دورة القمر لا يسمح برؤيته في ذلك اليوم في بلاد الحجاز، كانت الليلة الجديدة ثابتة في بلد الرؤية عقب غروب الشمس من أفقها، أما بلاد الحجاز فإنها لا تدخل في الليل الجديد إلا بعد ذلك بمقدار ما بينها وبين بلد الرؤية؛ لكنها تشترك معها في جزء عظيم من الليل الجديد؛ وإذا تشترك معها في جزء عظيم من نهار ” الأحد ” الذي هو اليوم التاسع من ذي الحجة حسب الرؤية.
ومما تقدم يتبين أن الأمر في توحيد الأقطار الإسلامية على مبدأ ذي الحجة أيسر وأقرب من موضوع الصيام وثبوت هلال رمضان لأن الفرق الزمني بين الحجاز وآخر بلد من بلاد المغرب الإسلامية قليل لا يمنع اتحاد الإقليمين في حكم ثبوت الهلال فهما مشتركان حتما في جزء عظيم من الليل وكذلك في جزء عظيم من النهار. وعلى هذا لا يظهر سبب وجيه لما يقرره بعض الفقهاء الذين لا يعولون على اختلاف المطالع من استثناء شهر ذي الحجة، واعتبار أن إثبات هلاله مقصور على بلد الحج نفسه.
وأقول: أولا:- إذا رئي الهلال في ” دكار وكان نظام دورة القمر لا يسمح برؤيته في الحجاز، ويطبق قاعدة أن البلدين المشتركتين في جزء من الليل حكمهما واحد فإن الشرقية تتبع الغربية فالحجاز تتبع داكار، وشرق جاكارتا وأهل عرفة أيضا يشتركان في جزء من الليل، فهل ما يسري على عرفة يسري على شرق جاكارتا؟ فيحرم صوم يوم الاثنين لأنه يوم العيد في دكار لرؤيتهم، ويحرم صوم يوم الاثنين لأهل عرفة اتباعا لداكار، ويحرم صوم يوم الاثنين في شرق جاكارتا اتباعا لأهل عرفة، مع أن داكار حينما غربت عندهم الشمس ورأوا القمر كان من في شرق جاكارتا ينتظر طلوع الفجر، المسافة بينهما تسع ساعات تقريبا مرورا بخط جرينتش، وخمس عشرة ساعة مرورا بخط التاريخ الدولي.
وثانيا: لا يصح أن ننظر بنظرة إقليمية لأن الإسلام دين عالمي، فإذا ما قال لنا من في الشرق الأقصى، أو من في الغرب الأقصى: متى عيد الأضحى حتى أنحر؟ ومتى العيد حتى لا أصوم؟ لأن صوم يوم العيد حرام، ومتى عرفة حتى أصوم اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم؟ أ أصوم قبل أهل عرفة؟ أم بعدهم؟ لا بد حينئذ من الاتفاق شهريا على خط تاريخ قمري يحدد البداية والنهاية لكل شهر عربي. والله الهادي والموفق للصواب.

شاهد أيضاً

لماذا لا يحترم الإعلام العربي شهر رمضان؟… الدكتور مصطفى محمود يجيب

عدد المشاهدات = 17014  مقال للدكتور مصطفى محمود لماذا يتحول رمضان إلى شهر ترفيهي بدلاً …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *