الأحد , 16 ديسمبر 2018
الرئيسية / ثقافتي / “الجثة”..قصة قصيرة للكاتب ياسر عامر

“الجثة”..قصة قصيرة للكاتب ياسر عامر

= 921

ينسج المجتمع قصصا وأساطيرا ويروي كل منهم قصته التي يجيد قصها حتي ولو كان علي يقين كامل انها إكذوبه… بل هناك من ينسج من خياله الآكاذيب وبمرور الوقت ينسي مصدرها وينسي انه هو صاحب هذه الإكذوبة ومروجها و يصدقها هو نفسه… كذلك ذاعت حول “علي” قصص وأساطير علي أقل تقدير كان يقال عنه أنه غريب الآطوار… وخصوصا أنه منطوي يخشي الناس.. تزوج عن حب حقيقي لم يكن زواجه تقليديا ولا حبه تقليديا فقد وفقه الله في الحصول علي النموذج الذي كان يدور في عقله…

كانت “نور” بمثابة النور الذي يراه المؤمن في وجوه المؤمنين،كالنور الذي ينير بصيرته حتي لغير المبصرين..تنير حياته جميعها معنويا وكشيء ملموس يراه وكإن نور خلقت من أجله وعلى هواه كأن الله خلقها له… أحب علي نور بقلبه وعقله قبل في خياله قبل إن يلتقي بها في الواقع فوجدها تفوق خياله وتفوق ما تمني… ظل سنوات طويلة من الحب العذري الاسطوري في خياله.. لم ينساها في صلاته فكان دائم الدعاء لله إن تكون نور في دنياه ثم يلقاها ويعرفها وسط مليارات البشر وتعرفه ويستطيع التعبير عن حبه فتتقبل حبه بل تحبه هي أيضا وتوافق على الزواج منه وبهذا الترتيب المستحيل من وجهة نظره… يعد من المعجزات والمعجزات تحدث فقط بأوامر من الله لانبيائه والمختارين من عباده، ظل سنوات عديدة تبلغ نصف عمره تقريبا الذي تعدي التلاثين بثلاث سنوات يدعو ربه وهو موقن بالاجابة… فاستجاب له ربه بل وأكثر فهو من يقول للشيئ كن فيكون.

إلتقي علي بنور عندما هرول خلفه أحد العاملين بإحدى الصيدليات التي كان يتعامل معها بحكم عمله مندوب مبيعات بإحدي شركات تصنيع الدواء، يلوح بتليفون محمول في يده معتقدا أنه خاص به ورغم أن علي علم من أول وهلة أنه ليس تليفونه المحمول من مظهره الحريمي الواضح بالوانه ورائحته الفرنسية النفاذه، إلا أنه لم يدر لماذا لم يرفض أن يأخذه… شيئ ما دفعه لذلك..انتظر في أقرب كافيه من الصيدلية، مبحلقا في شاشته منتظر المكالمة المرتقبه.. ما هي الا دقائق رن الهاتف سمع صوت رقيق متلهف يخبره أنها مالكة المحمول ترجوه أن يمكنها من الحصول عليه… لكنها رفضت أن تأتي له طلبت منه بأدب جم أن يأتي هو إليها في محل زهور وصفت له..

اللقاء ودودا جميلا تلاقت الأعين تلامست الايدي حين السلام تناغمت دقات قلبيهما كموسيقي مارش عسكري منضبط ، تحاورت الأعين ، امتنع اللسان عن الكلام.. استجاب الله لدعائه، حدثت المعجزات.

أضيئت حياته بنور حيث استمر زواجهما ٥ سنوات، وكانت “نور” هي الملاك الذي يلهمه الرساله كبر أصبح شريكا في شركة أدوية، تغير حاله بنور لم يمر عليه يوم لم يعشه بسعادة مع نور مرت الخمس سنوات كأنها حلم جميل.

لم تكن نور مجرد بائعة زهور بل كانت تمتلك عدة محال وأكشاك لبيع الزهور حيث أنها خريجة كلية الزراعة قسم نباتات الزينة فكانت تعمل في تخصصها وهواياتها المفضلة ، تبدو زهرة وسط حديقة وبرأس مالها أيضا بعد أن ترك والدها لها ثروة كبيرة بعد وفاته هو ووالدتها اثر حادث سير ضمن عشرات الحوادث التي تحدث يوميا قبل زواجها من علي بعدة سنوات، لم تري اقاربها من الأب الا عند تقسيم الميراث فقد انفصلوا عن والدها بعد زواجه من والدتها المسيحيه الديانة بنعرة دينية مصطنعه، فكان علي هو الزوج والآهل والملجأ علي رغم ان نور تعاني من مشكلة صحية في القلب منعها الاطباء بسببها من الحمل والولادة، الا ان علي لم يشعر بمرضها كانت الزوجة و الحبيبة والابناء وكان هو كذلك لها.

كان حسد وحقد الناس يتزايد يوما بعد يوم اشاعات قصص تنسج من الخيال حول نور وعلي ..العشرات يحاولون التفرقة بينهما وزرع بذور الفتنة لتكبر وتصير شجرة كبيرة لا ليستظلوا بظلها بل لتقع على رؤوسهما فيقتلون.

كانت علاقة نور وعلي بمثابة لوط وبناته في قومه فكان لزاما عليهم ان يخرجونهما من القرية لانهم اناس يتطهرون فيظهرون اوساخ المجتمع حولهم .

بعد خمس سنوات تغير حال علي لم تعد نور تظهر معه وتظهر بجانبه في السيارة لم تعد تظهر حتي في محلات الزهور التي تملكها كعاداتها كل يوم، انقطعت نور عن الظهور عام كامل، علي يعيش حياته العاديه يباشر أعماله ويدير محلات الزهور لنور، ياخذ الإيراد ويسلم للعاملين مرتباتهم، يجيب علي نفس السؤال فين نور ؟

وبنفس الإجابه الباهته نور موجودة يشتري لها هداياها في المناسبات المعتاده عيد ميلادها، ذكري زواجهما الفالنتاين داي ، عيد الحب، الآعياد بدأ تساؤلات واشاعات من الجيران بدأ عدم ظهور نور يثير فضول الناس الجيران يسمعونه يتحدث مع نور ونور لا تجيب.. بدٱ يتضايق يتذمر من اسئلة الناس قلل ساعات خروجه اصبح لا يخرج الا للضرورة تقريبا ذادت الشكوك.

ابلغ المحيطين الشرطة التي اقتحمت شقته لتجده يحتضن حوضا زجاجيا كبيرا به جثه نور في الفورمالين… كانت نور جثة هامدة منذ عام مضي.. ورفض عقله التصديق كان يردد “نور حية” تحيي بروحي اما انا فجثة بلا روح انا الجثة وهي الروح وهو بين ايدي رجال الشرطة كان يصيح لا اتركوني سأظل بجوار نور نور لا تموت ولا تدفن في التراب..

تناول عقارا مات بعده بدقائق كانت وصيته المكتوبة ساعيش بنور وأموت لنور… ماتت نور بجرعة مضاد حيوي سببت لها حساسية واختناق هكذا كان تقرير الطبيب الشرعي قام الأصدقاء بدفنهما بمقبرتين متجاورتين كتب عليهما “علي ونور عاشا معا ماتا معا دفنا معا” الله يرحمها معا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: