الجمعة , 17 أغسطس 2018
الرئيسية / بقلمي / عبدالرزّاق الربيعي يكتب: عن (مجنون) جبران، وقاسم محمّد والعامري!

عبدالرزّاق الربيعي يكتب: عن (مجنون) جبران، وقاسم محمّد والعامري!

= 1563

من الغريب أن مسرحية (المجنون) التي كانت آخر مسرحية أخرجها الفنان الراحل قاسم محمد في بغداد قبل أن يتوجّه الامارات 1997، ليقيم فيها حتى وفاته، وكانت أيضا آخر مسرحية للفنان المرحوم ( حامد خضر ) قبل وفاته بحادث سيارة في 1/8/1997 ، لكن النحس الذي لازم النص المعد عن كتاب (المجنون) لجبران خليل جبران ، ابتسم للمخرج الإماراتي محمد العامري في الحفل الختامي للدورة 28 من أيام الشارقة المسرحية، ففاز العرض الذي قدمته فرقة مسرح الشارقة الوطني بـ 6 جوائز، هي أفضل عرض متكامل، وإخراج، وأفضل ممثل دور أول ،وأفضل ممثلة دور ثان، وكذلك أفضل ديكور، وأفضل أزياء.

وحتى العامري لم يسلم من لعنة (مجنون) جبران، ففي تصريح له أشار “أنه قرأ النص الذي كتبه جبران خليل جبران قبل ست سنوات، وفي كل مرة كان يؤجل الاشتغال عليه لظروف مختلفة، أهمها وقوف النص على الشكل المونودرامي، مضيفاً أنه، وبعد عملية بحث، وإعادة صياغة، ومراجعة طويلة، اتخذ قراراً حاسماً بتحويل النص إلى عمل مسرحي رغم صعوبة الحكاية، وتشابك أحداثها، واحتوائها على مضامين إنسانية غامضة، وعميقة، غير أن صداها حاضر ومُعاش، ويلامس قضايا راهنة ومحيطة بنا”

و(المجنون) كتاب جبران الذي كتبه بالإنجليزيّة، ضم حكايات ذات طابع شعري، تأمّلي، رمزي، بطلها مجنون، لكنّه ليس بالمعنى العضوي المتمثّل بفقدان العقل، بل بالمعنى الذي يتّهم به كلّ من يفكّر بطريقة تقع خارج حدود المنطق، وهو ما عناه برنادشو حينما ميّز بين الرجل العاقل، والرجل غير العاقل بوصفه” إنّ الرجل العاقل هو الذي يتأقلم مع المحيط الذي يعيش ضمنه، بينما غير العاقل هو الذي يسيّر المحيط وفق ما يريد، لذا، فالتغيير الذي حصل في العالم جاء على أيدي رجال غير عقلاء” لكنّ هذا النوع الذي تحدّث عنه برنادشو دفع الثمن غاليا، حين طرح أفكاره على المجتمع، و(مجنون) جبران وقاسم محمد الذي أمسك بالخط الدرامي بالكتاب، وبنى عليه العرض الذي استند عليه المخرج محمد العامري ينتمي لهذا النوع، لذا وجد نفسه متّهما بالجنون ، والخروج على النظام، ونشر البلبة في المجتمع، مثلما وجّهت التهمة لسقراط من قبل، عندما أتّهم بافساد الشباب بأفكاره، فحوكم، وعوقب بالإعدام وتجرّعه كأس السم في سجنه.

بدأ العرض بسحب جهاز تلفزيون مشوّش الصورة من على الخشبة بسلك ليصل إلى حافة الخشبة، وينتهي بسلة مهملات، هذا المشهد عبّر عن الكثير من لغة العرض المضمرة، وهيّأ الجمهور لرسائل العرض، وأعقب ذلك دخول محققين الذين دارت بينهم مناقشات حول (مجنون) جاء ليهدّ أركان المجتمع، عدم سماحهم له بذلك، حفاظا عليه، كما يدّعون، وبعد ذلك يخرج (المجنون)، من أسفل خشبة المسرح ، بهيئة مزرية نصف عارٍ، تظهر على النصف الأعلى من جسده خيوط عمليات جراحيّة، ويبدو مسلوخ جلد الرأس، عند منطقة التفكير –أدّى الدور ببراعة الممثل (مروان عبدالله صالح) بذل مجهودا جسديّا كبيرا، فنال عن أدائه جائزة أفضل ممثل- ، ليجد نفسه وسط قاعة محكمة يتناوب عليه المحقّقون المدجّجون بأسئلة تستفهم عن هذا الذي يريد قلب مسارات الكون، وعن أهدافه المعلنة، والمستترة، ويتّضح شيئا، فشيئا ، أن هذه المحكمة ليست سوى محاكمة للعقل المفكّر، الذي يثور على المسلّمات المنطقيّة، داعيا إلى التغيير، والخروج عن سلطة العقل المتحكّم بالمصائر، والثورة على الواقع الراكد، وهذا يجعل المحقّقين يصرّون على إدانته، وضرورة إلحاق العقوبة الرادعة له، ولأمثاله، فيجيبهم عن تساؤلاتهم، بكلّ ثبات كاشفا عن زيفهم، واستبدادهم، وظلاميّتهم، وهذا يزيدهم استفزازا، ويصرّون على معاقبته، وبعد مداولات طويلة، تصدر المحكمة عقوبتها له بإيقاف نسله، لكي لا ينجب أبناءً يتوارثون جنونه، لكنّه يرفض الحكم ويصرّ على أنه أبناء له سيظهرون “من ضوء وظل، وأحفاد من تراب وهواء، سيرتدون ثوب الفجر، ولون البحر، ورائحة المطر”.

وهو ما عبّر عنه المخرج بالدمى الصغيرة المغطّاة بقطع القماش البيضاء، التي تدبّ على خشبة المسرح، فيسارع أعضاء المحكمة إلى سحقها، وكلّما يتم سحق دمية تخرج أخرى إلى أن يمتليء المسرح بالدمى المحطمة، لكنّ بعضها ظلّ يتحرك بمكانه، أو بساق واحدة إشارة إلى قوّة الحياة، وهو المشهد الذي أختتم به العرض، وساهم في تصعيد إيقاع العرض إلى الذروة.

وجاء الإخراج مبهرا، فقد جعل المخرج محمّد العامري الخشبة على شكل دائرة يتوسطها مستطيل هو الثقب الذي يخرج منه (المجنون) دلالة على اختراقه القشرة السميكة التي تغلّف الواقع الهشّ، وتوجد في الخشبة ثقوب مربعة صغيرة مغلقة، وأخرى دائرية أصغر مفتوحة، وخلال العرض يتم توظيف كلّ هذه الثقوب، فمن خلال الثقوب المربّعة تخرج الأيادي، بين حين وآخر، ومن الثقوب الدائرية تخرج أنابيب طويلة، ترسم مشهدا يثير الهلع، والدهشة في فضاء العرض، وقد ساهمت الموسيقى في تصعيد الأداء، ورسم مشهديّة قاتمة، وقد جعل الممثلين ينتقلون من مكان إلى آخر، فمرّة يظهرون من وسط الجمهور، ومرّة ثانية يطلّون من الأعلى، واستخدم الحبال في تعليق (المجنون) بشكل معكوس، وجعل القاعة كلّها فضاء واسعا للعرض الذي وقف الجمهور بعد انتهائه ليصفّق طويلا. ..طويلا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *