الأحد , 24 يونيو 2018
الرئيسية / بيتي / د. علا المفتي تكتب: معركة البهجة !

د. علا المفتي تكتب: معركة البهجة !

= 649

انظري إلى الخلف. نعم انظري لماضيك، وتصفحي ذكرياتك سريعا. افحصي تلك الذكريات المؤلمة، على الأخص. راجعي شعورك حين مرورك بها، واسألي نفسك: كيف استطعت اجتياز هذه المحن؟ وكيف أصبحت تلك المحن، جزء من جسد الماضي؟

ذلك ما قاله لي أحد أصدقائي المقربين، عندما سألته ذات مرة قائلة: يعجبني فيك تلك الابتسامة، التي لا تفارق شفتيك، فأخبرني عن سر تفاؤلك الدائم؟

كان هذا الصديق بالنسبة لي، مصباحا للأمل والتفاؤل ومنبعا للطاقات الإيجابية. ما إن شعرت بالحزن إلا ولجأت إليه، كي أرمي بهمومي على أعتابه، ليقتلها بنصل ابتسامته.

لقد واجه ذلك الصديق، حياة مليئة بالصدمات والأقدار السيئة. وكنت أرى حياته تلك، مثالا للبؤس والتعاسة. ولكنه كان دائما مرتديا ثوب الابتسامة، حتى في ألحك الظروف وأشدها. وكنت أعجب من هذا الصمود الغريب، الذي يبديه دوما في الأزمات.

أخذت كلماته تلك، وفتحت كتاب ذكرياتي لأتصفحه بتأن، وأسجل كل محنة وأزمة، تعرضت لها في حياتي. ثم أصف لنفسي، الشعور الذي انتابني، مع كل صدمة حياتية أو مشكلة. بعدها أخذت أتأمل، كيف انتهت تلك الأزمات، وحلت تلك المشكلات، وهدأت مشاعر الصدمة، ومات الحزن. وانتابني شعور مختلط، بالدهشة والفخر، بل وسخرت من نفسي كثيرا أيضا، على كل لحظات القلق، التي تملكتني بلا داعي.

عندما نمر على مؤرقاتنا الماضية، وذكرياتنا التعسة، نكتشف أنها، تشبه معول النحات، التي يهذب به الصخور الخشنة، ليصنع منها تحفة فنية، غاية في الجمال. فتلك العثرات هي التي جعلتنا، أنضج عقلا وفكرا، وأهدأ نفسا. وأننا أسرفنا في القلق والحزن، والتوتر حال وقوع الأزمات في الماضي. وأن الحلول وعلاجات الأزمات، كانت متاحة دائما. لكننا لم نرها بسبب جزعنا من المشكلة، وتركيزنا عليها فقط دون الحل، وشعورنا الكاذب بالضعف وقلة الحيلة، ونسياننا أن الله لا يكلف نفسا إلا وسعها.

عندما نقرأ، صفحات كتاب الذكريات بعناية فائقة، سنجد أن التشاؤم والحزن، قد حال دون استمتاعنا باللحظات السعيدة، التي مرت بنا ودفنت بين سطور الذكريات. سندرك أيضا أن الأحزان مؤقتة. فكل حزن، ما هو إلا فاصل بين سعادتين. وسنكتشف أن الحياة لا يفوز فيها، إلا من تسلح بابتسامة التفاؤل.

فعلينا أن نخوض معركة البهجة. وأن ندرب عقولنا على رؤية إيجابيات السلبيات. وأن نؤمن بمبدأ “أمر المؤمن كله خير، خيره خير، وشره خير”. بما يعنى أن أرى في كل موقف سيء، الجانب الجيد منه. فمثلا نرى في الليل الحالك، نجومه المتألقة. ونرى في المرض، تكفير للسيئات، وتهذيب للنفس، وتقوية للإرادة. وندرك أن في الفشل درسا، يساعد على النجاح.

وهكذا نمارس التفاؤل، في كل مواقفنا الحياتية، صغيرة كانت أم كبيرة، مؤمنين تماما بأن الله، لم يخلق مشكلة إلا وخلق معها حلها. وأنه لم يخلق الداء، إلا وخلق له الدواء. فلنحسن الظن بالله، ولنتسلح ونتترس بالإيمان، وقوة الإرادة، وسحر الابتسامة، لنهزم كل منغصات الحياة، ونعطي لأبنائنا دروسا عملية، في اقتناص بهجة الحياة.

—————
* مدرس أدب وثقافة الطفل بكلية البنات – جامعة عين شمس

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *