الخميس , 30 يونيو 2022
الرئيسية / بقلمي / الفقراء الجدد.. أزمة تنمية

الفقراء الجدد.. أزمة تنمية

= 10269

بقلم: مرفت بنت عبدالعزيز العريمية

خلفت جائحة “كوفيد-19” ندوبًا اقتصادية كبيرة، تحتاج إلى أعوام حتى تتعافى في حالة عدم تكرار سيناريو الجائحة والإغلاقات، أما آثار الحرب الروسية- الأوكرانية فهي تتشكل يومًا بعد يوم؛ أبرزها ارتفاع مستويات التضخم في العالم وانقطاع سلاسل الإمدادات الغذائية والطاقة عن بعض الدول، إلا أن لها تأثيرات مباشرة على العالم أجمع.

ومنذ عقد تقريبًا ونحن نشاهد تغيرًا في الطبقات الاجتماعية نتيجة الأزمات الاقتصادية المتكررة، فالفقراء أصبحوا أكثر فقرًا، والطبقة الوسطى تقاوم الانزلاق إلى براثن الفقر. ووفقًا لتقرير للبنك الدولي، فإنَّ هناك مؤشرات ظهور طبقة جديدة من الفقراء، بدأت في معظم دول العالم وهم طبقة ينتمون إلى الطبقة الوسطى، ممن كان يطلق عليهم أصحاب “الياقات البيضاء”، هي من الفئة التي حظيت بقدر من التعليم الأساسي والعالي من المهنيين والمثقفين والمحامين والأطباء والمديرين والموظفين والمتقاعدين. وهذه الفئة تعد رمانة الميزان ورواد التغيير الاجتماعي، وناشري الوعي ومحركي الاقتصاد، والطبقة المستهلكة للخدمات والسلع الأساسية والكماليات، وهم بلا منازع يُطلق عليهم المستهلكين، أكثر الطبقات التي يستفيد منها الاقتصاد لا الأغنياء ولا الفقراء، وبالرغم من أهميتها إلا أنها أكثر طبقة اجتماعية تدفع ثمن الإصلاحات الاقتصادية؛ فهي لا تلقى الإعانات أو الدعم كالطبقة الفقيرة، ولا تحظى بالتسهيلات مثل الطبقة الغنية.

وما نشهده اليوم ليس سوى أزمة تنمية قد تُؤثر في نمو وتقدم البلاد وتُعيق تنفيذ الخطط، فالضغوط الاقتصادية التي تمر بها هذه الطبقة وعمليات الاستنزاف المستمر لمدخراتها تهددها بالفناء والانزلاق إلى قعر المجتمع، وبالتالي سيفقد المجتمع دورها المهم كصانعة للوعي ومحفزة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية فهي الطبقة المسؤولة عن تشكيل ملامح وهوية المجتمع المُتجانس والمتوازن بعيدا عن التطرف والكبت فهي صمام الأمان في المُجتمع.

وساهمت سياسات العولمة في تركز الثروات في أيدي الصفوة وتقلص الطبقة المتوسطة وزيادة كبيرة في الطبقة الفقيرة وارتفاع معدلات البطالة وانتشار الفساد والجريمة المُنظمة وتقليص دور الدولة في الحياة الاقتصادية، من خلال عمليات الخصخصة التي باتت تؤثر بشكل كبير على الحياة الاجتماعية والأحوال المعيشية بالمجتمع، في ظل ارتفاع أسعار الخدمات والسلع الأساسية، الذي من شأنه أن يزعزع أمن المجتمع وينبئ بانهيار اقتصاديات الدول بما فيها الدول الراعية للعولمة.

ويزعم توماس بيكتي مؤلف كتاب “الثروة والدخل في القرن الواحد والعشرين” أن الثروات ستتراكم إذا كان العائد على رأس المال أكبر من معدل النمو الاقتصادي على المدى الطويل، وسيؤدي ذلك إلى تركز الثروات لدى فئة قليلة مسيطرة وعدم استقرار الاقتصاد.

ويعد الفساد عاملًا آخر يعطل النمو الاقتصادي للمجتمع؛ حيث إن “… الفساد يحوِّل الموارد من الفقراء إلى الأغنياء، ويزيد من تكلفة تشغيل الأعمال، ويشوه الإنفاق العام، ويثبط همم المستثمرين، فهو عائق للتنمية والتقدم” … هذا مقتطف من كلمة رئيس مجموعة البنك الدولي جيم يونغ كيم ألقاها في ندوة لمكافحة الفساد بواشنطن عام 2012.

لن نجد أفضل من الجائحة والحروب للوقوف على سلبيات وثغرات النظام الاقتصادي القائم وقدرتنا على الاستجابة للأزمات، وتوفير حماية أكبر للطبقات الوسطى والفقيرة، وتطوير النظام الاجتماعي، وتنمية سوق العمل وخلق فرص عمل ومشروعات موارد رزق، وتطوير القطاع الصحي لمجتمع صحي، وإنشاء اقتصاد محلي يعتمد على الموارد المحلية ومكافحة الاحتكار؛ فالأزمات هي التي تخلق الفرص اليوم، ويدور الحديث في العالم حول ضرورة تقليص العولمة المطلقة وإعادة سلاسل الإنتاج إلى الأوطان، وتقليص الاعتماد على الإمدادات الأجنبية، والاكتفاء الذاتي الغذائي وموارد الطاقة المحلية، وتطوير الإنتاج المحلي والصناعات المحلية؛ تجنبًا لوقف الإمدادات نتيجة الإغلاقات أو الحروب.

وتسعى الدول إلى التسريع من التعافي من جائحة “كوفيد-19” وآثارها الاقتصادية المدمرة التي ساهمت بشكلٍ ما في إعلان بعض الدول إفلاسها وأخرى تحاول الخروج بحلول مبتكرة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه تجنبًا لسيناريوهات أكثر قتامة، فوضعت خطط طوارئ لدعم الطبقات الاجتماعية المتضررة.

لا شيء أصعب من فقد الأمان والبحث عن أنباء سارة في كل خبر وكل وجه، حتى أصبح البعض يعاني من “فوبيا الأخبار”، ولا يمكن أن نعلِّق المُستقبل على ما تفعله بنا الفيروسات والحروب؛ حيث إن استجابتنا للأزمات هو ما يحدد مصائرنا.

السؤال المطروح: هل ستستمر سنوات الرفاهية التي اعتدناها في ظل ارتفاع الأسعار والضرائب والبطالة والتعافي البطيء للاقتصاد، بينما العالم يتحدث عن عام الجوع 2023؟ هذا هاجس يؤرق أغلب الناس فلا شيء أصبح مضمونًا، كلنا نخشى من عدم الاستقرار، ونحن نرى الكثيرين أصبحوا من الغارمين تلاحقهم القضايا أو مسرّحين لا مورد رزق لهم في الأفق، أو باحثين عن عمل يقضون سنوات ضائعة يطرقون أبواب الحظ، وأعداد مستحقي الإعانات في ازدياد كل يوم.. أم سنشهد خططًا لدعم الطبقة المتوسطة تبعد عنها شبح الفناء؟!

—————–
* كاتبة عمانية.

شاهد أيضاً

عبدالرزّاق الربيعي يكتب: العبدُ الفقير في ضيافة الأمير

عدد المشاهدات = 421   حين روى صاحب السموّ الملكي الأمير الحسن بن طلال، رئيس …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: