وكأن رحمةً من السماء هبطت إلى الأرض لتنزل على روحي بردًا وسلامًا، فتحولت الأمنية إلى حقيقة، وتجسدت الأحلام واقعًا حيًّا نابضًا.
في لحظة سكون نادرة، قطعها رنين الهاتف، لأسمع صوتًا رخيمًا يقول:
«الأستاذة داليا جمال… فضيلة الإمام الأكبر الشيخ أحمد الطيب يرغب فى أن يكلم سيادتك».
توقفت الدنيا للحظات حاولت فيها أن أستجمع قوتى لأؤكد لنفسى أننى أعيش حقيقة وليس واحدًا من أحلام اليقظة. فمكالمة من فضيلة الإمام الأكبر ليست مجرد اتصال هاتفى، بل شرف لم أتصور يومًا أن أحظى به، وحلمًا طالما راود خيالى طويلًا. لا لأنه شيخ الأزهر فحسب، بل لأن الإمام أحمد الطيب هو شخصية استثنائية، لها كاريزما خاصة وحضور يذوب معه أى حضور، وهيبة تسبق الكلمات وتبقى بعدها.
حلّقت بى تلك المكالمة فوق السحاب، وسارت بى بين النجوم. فلم أعد أشعر بحدود المكان ولا بثقل الزمن. كنت أستمع، وقلبى يسبق أذنى، وروحى تتقدم على الكلمات.
ورغم اعتدادى الدائم بكونى صحفية وإيمانى العميق بقيمة الكلمة ومسئوليتها فإننى فى تلك اللحظة ازددت احترامًا وفخرًا بمهنة الصحافة حين عبّر لى مولانا الإمام الأكبر عن سعادته وتقديره فى حديث يعكس ايمانه بقيمة الاقلام الحرة الجادة فى بلاط صاحبة الجلالة ومكانتها فى حمل رسالة الكلمة بوعى ومسئولية وهو تقدير أعتز به وأحمله مسئولية مضاعفة.
لم تكن كلماته مجاملة عابرة، بل شهادة أعتز بها، أشعرتنى أننى أحمل أمانة مهنة الصحافة فى عنقى قبل أن تكون وسامًا ثمينًا أضعه على صدرى، شعرت أن هذا التقدير لم يكن موجهًا لى وحدى، بل لكل قلم صحفى يؤمن بأن المهنة موقف، وأن الكلمة أمانة، وأن الاحترام لا ينتزع بالنفاق، بل يُنتزع بالصدق.
لم تسعفنى اللغة، وأنا أسمع فضيلة الإمام يشكرنى على مقالى السابق بتواضع عالم جليل، وبنبل قامة إنسانية سامقة تعرف قدر الكلمة وأثرها. كلمات قليلة فى عددها، عميقة فى معناها، رفع بها قدرى، ومنحنى دفعة معنوية لا تُقدّر بثمن. فى تلك اللحظات شعرت أن الدنيا، على اتساعها، لا تكاد تتسع لفرحتى، وأن هذه المكالمة لم تكن مجرد اتصال، بل رسالة طمأنينة تؤكد أن الصدق لا يضيع، وأن للكلمة النزيهة طريقًا يصل، ولو بعد حين.
ستظل هذه المكالمة واحدة من أنقى لحظات العمر، ودليلًا جديدًا على أن للكلمة الصادقة وزنًا، وللصدق صدى، وأن الاحترام الحقيقى لا يُطلب، بل يُمنح.
———————-
* مدير تحرير أخبار اليوم.
حياتي اليوم صحيفة إلكترونية يومية