الثلاثاء , 27 فبراير 2024

مصر … وأسطورة سيزيف

= 3333

 

بقلم: عادل عبد الستار العيلة

أسطورة سيزيف هي واحدة من الأساطير الإغريقية التي اشتهرت في اليونان القديمة وتعد شخصية سيزيف بطل الأسطورة من أكثر الشخصيات مكرًا ودهاءً، ولكنه تعرض لعقاب جديد من نوعه فبعد أن استطاع أن يخدع إله الموت ثاناتوس مما أدى إلى غضب زيوس كبير الآلهة، فقرر معاقبته عقاب اللاجدوى. . . وهو أن يحمل صخرة كبيرة من أسفل الجبل حتى يصل إلى أعلاه، فإن وصل للقمة تدحرجت منه ثانيةً لتستقر بقاع الوادي، فيعود مرة أخرى إلى رفعها للقمة ويظل يعمل هكذا دون هدف يتحقق أو نتيجة يصل إليها وحتى الأبد.

كما أن الفيلسوف الأبيقوري لوكريتيوس فسر أسطورة سيزيف في القرن الأول قبل الميلاد باعتباره يجسد الفشل والجهد المبذول دون أي طائل أو استفادة والذي ينتهي إلى حيث بدأ!

ومن ينظر بشيء من التأمل إلى حال مصر عبر القرنين الماضيين يجدها وكآنها تجسد شخصية سيزيف. . . فمن يتأمل العصر الحديث في مصر ومحاولتها لإقامة مشروعها الحضاري يؤمن إنه كان معالم بلا طريق. . كان أشبه بحركة واسعة في عدة طرق فرعية دون أن تصُبَّ الحركة في طريقٍ رئيسي واحد. . كان عددًا من المتفرقات دون منهجٍ أو نظريةٍ. وكما الحال في أسطورة سيزيف فكلما كان الهدف على مقربةٍ وأوشك على التحقُّق بعد طول عناء. . سرعان ما ابتعد إلى حيث كان. . لتبدأ دورة الأمل واليأس من جديد!

فنرى أن تجربة الزعيم الوطني محمد علي باشا بدأت بنقل مصر من الدولة إلى الإمبراطورية. . وبعد أن أوشكت مصر على إنهاء عصر الظلام وقيادة العالم الإسلامي إلى العصر الحديث. . نجح الغرب في أن يتحالف لإسقاط أعظم تجربة تحديث في جغرافيا المسلمين. . لتعود مصر من الإمبراطورية إلى الدولة.
ومرة ثانية جاء الزعيم الوطني الخديو إسماعيل في الانطلاق نحو حداثة العصر وتجاوزتْ القاهرة بناءً وجمالاً عواصم الغرب الكبرى. . جاءت المؤامرة الغربية لتقطع الطريق وجاء «الخديو توفيق» ليكْسر معالمَ الاستعلاء والاستقلال ويعود بنا إلى الظلام

ومرة ثالثة جاء عصر الزعامات الوطنية الكبرى كما وصفها أستاذي المسلماني. . من أحمد عرابي إلى مصطفى كامل إلى سعد زغلول ومصطفى النحاس وقد بذلوا جهودًا عظيمة من أجل تجديد النهضة واستعادة الأمل. وانطلقت أفكارهم وأعمالهم تقود الحداثة في العالم العربي والإسلامي من جديد. . من الجامعة إلى الدستور. . ومن المفكرين والفلاسفة إلى الأحزاب والنواب. ولكن جاء عام 1952 وضاع الكثير من نتاج الحداثة في ركام السياسة وصراع من كانوا في خندق واحد بالأمس

وللمرة الرابعة ورغم ارتباك الثورة في البداية انطلقت مصر في موجة جديدة من التحديث والتصنيع. . وبعد محاولات جادة لإطلاق قمر صناعي وإنجاح برنامج نووي وتصنيع صاروخ في مصر. . تحطمت الأسطورة في الخامس من يونيو 1967.

وللمرة الخامسة. . عادت مصر لتُبهِر نفسها والعالم في حرب أكتوبر 1973. . وحاول السادات أن يضع مصر على الطريق ولكن وقبل الستة أشهر من عودة سيناء التي خاض من أجلها السادات الحرب والسلام. . رحلَ الزعيم برصاص القوى الدولية وأيدي العناصر المصرية.

وللمرة السادسة. . وبعد السادات. . حاول المشير أبو غزالة استئناف المشروع الحضاري المصري من جديد. . وأسس برنامج الصاروخ الباليستى المصرى بعيد المدى الكوندور 2 أو بدر 200 واشترى رجاله مائة كيلوجرام من اليورانيوم من أوروبا لصناعة أول رأس نووى مصرى. . ونجح فى جلب التمويل من صدام حسين وبناء تحالف علمى مع كوريا الشمالية والأرجنتين. . غير أن الأسطورة قد عادت مرةً أخرى لتتحطم فى يونيو 1989 حين اكتشفت المخابرات الأمريكية رجل المشير فى مصانع الصواريخ الأمريكية، وأوقفت محاولات تهريب أجزاء سرية فى طائرة عسكرية مصرية كانت تستعد للمغادرة من واشنطن.

وتم اعتقال عالم الصواريخ «عبدالقادر حلمى»، الذى عمل لحساب برنامج الصواريخ المصرى. . وأودع السجن فى كاليفورنيا، كما تمت الإطاحة الأمريكية بالمشير أبوغزالة من موقعه.

وللمرة السابعة. . وفى نفس عام الإطاحه يظهر اسم الدكتور زويل. كان العالم المصرى أحمد زويل فى طريقه إلى نوبل بعد إنجازه التاريخى فى تأسيس علم كيمياء الفيمتو عام 1989.

سقطت مشروع المشير أبوغزالة فى عام 1989، وبعده بعشر سنوات أطلق الدكتور زويل مشروعه «مدينة زويل» فى عام 1999. . لكن المشروع واجَهَ تخطيطًا مُحْكَمًا وقويًّا من أجل إفشالِه ومنعِه من الانطلاق. . ورَحَلَ الدكتور زويل قبل أن يشهد مدينتَهُ. وبينما كان يخطط لينطلق منها قائدًا للعلم. . انطلق جثمانًا يبكيه العلماء والطلاب.

كان عصر الرئيس الأسبق حسنى مبارك عصر البيروقراطية. . لكنه شهد قصة رجليْن عظيميْن: المشير أبوغزالة والدكتور أحمد زويل. . سعى أحدهما من أجل القوة الصلبة وعمل الآخر من أجل القوة الناعمة. . سعى المشير إلى السلاح وسعى زويل إلى المختبر.

أخيرا أقول. . . إن مصر الان تحتاج لثنائية الحركة والفكرة. . تحتاج الى معالم طريق واضحة. . تحتاج لإحياء الامل من جديد. . تحتاج الى قائد واعى وقوى. . لذلك أدعو الله أن يوفق الادارة الحالية لتضع مصر مرة اخرى على الطريق الصحيح.

(حفظ الله مصر. . ارضاً وشعباً وجيشاً وازهراً)

شاهد أيضاً

عادل عبدالستار العيلة يكتب: أنت ليه فاشل؟!

عدد المشاهدات = 2652 أيها القارئ الكريم دعنى اسالك سؤالاً .. هل قابلت شخصاً يوماً …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.