الخميس , 20 يونيو 2024
الكاتبان صابر الجنزوري وتوني عاطف

محاكمة الخطيئة فى رواية توني عاطف الجديدة “إحترقت”

= 2693

 

يكتبها: الأديب صابر الجنزوري

——————————————–

يقدم لنا الكاتب الروائي والقاص الأستاذ توني عاطف رواية جديدة بعنوان “إحترقت” ويضع القاريء منذ البداية
أمام تساؤلات عن المعني والمضمون فماذا يقصد توني عاطف؟
إختيار محيط النص الروائي لاشك أنه مهم جدا للمتلقي لأنه يشكل الإنطباعات الأولى عند المتلقى فالعنوان والغلاف وتحليل ألوانه ورسوماته وماذا تعني وكذلك التمهيد الذي يبدأ به الكاتب لعمله
كل ذلك يجعلنا نكون انطباعات متباينة حتى نصل للنهاية ونعرف هل كنا على حق فيما تخيلنا أم لا؟
أراد توني عاطف منذ البداية أن يضعنا أمام تلك الإنطباعات منذ قراءة العنوان الذي أصاب وأحسن إختياره بالفعل للنص الذى يأخذك فى قراءته فى جلسة واحدة حتى تنتهي منه فالنص ليس طويلا وليس مملا بل مشوقا فهو يقع فى إثنين وتسعين صفحة من خلال سرد وحبكة تجعل القارىء يريد أن يصل للنهاية ليعرف ماهو مصير الشخوص التى قدمها لنا وكيف تكون نهايتهم.
إن من أهم الأشياء فى رؤية العمل الأدبي وخاصة العمل الروائي هو أحد عناصرها المهمة التى تتمثل فى
“شخصيات العمل” فكيف رسمها الكاتب وكيف قدمها وكيف دخل إلى الأبعاد النفسية والعقلية للشخصية؟
هنا قدم توني عاطف شخصياته ورسمهم بطريقة تكاد تقترب إلى السريالية ولما لا فهو رسام وربما يميل إلى التعبير بالريشة مثل التعبير بالقلم فقدم لنا محاكمة للخطيئة الأزلية التى تتكرر منذ الخطيئة الأولى فمثلث الصراع بين
آدم -حواء- الشيطان
وثنائيات الصراع
قابيل – هابيل
الخير -الشر
قدم توني عاطف فى روايته تلك الصراعات من منظور وفكرة وحكاية جديدة وضعنا أمامها ومن الممكن أن نضيف إلى محاكمة الخطيئة فنقول محاكمة الخطيئة والخيانة والبراءة.
فقد انطلق توني من نقطة حدث قوية ليجذب انتباه المتلقى فى مشهد احتراق بيت فنجد الأب “عزيز” فى الدور العلوى من بيته تحاصره النيران مع ابنته “وسيمة ” فيلقي بها لينقذها لكنها تعيش بعد ذلك مشوهة الوجه وتعاير بعد ذلك من الأطفال واختها الصغيرة “زينة” حتى أمها ” علياء” لم ترحمها وتشارك فى قتلها ..
هؤلاء هم بيت عزيز الرجل الطيب الشهم الذي يضحى من أجل الأخرين فنجده يعطى لعامل أجازة فينهره مديره فيقف على الماكينة بالمصنع بدلا من العامل فتسقط عليه مما يؤدي لبتر أطرافه فيدفع ثمن شهامته وإيثار غيره على نفسه.
ثم نجد زوجته علياء الجميلة المتسلطة التى تملك شخصية قوية وتضعف أمام الطبيب ” إمام” طبيب التخدير بالمشفى الذي غاب عنه ضمير المهنة والإنسانية والذي له علاقات نسائية حتى مع مديرة المشفى ويمارس تلك العلاقات المحرمة بحجرة الطبيبة ، يسيطر إمام على علياء مستغلا ظروف زوجها عزيز وحاجتهم للمال فيوقعها فى مصيدة الشيطان فى علاقة محرمة تكتشفها الطفلة وسيمة فيعيدنا تونى عاطف لمشهد الحريق الذي بدأ به لنكتشف أسبابه وكيف حدث ، حيث كانت علياء تمارس علاقتها مع الطبيب بعيدا عن البيت فتعود لتجد عزيز قد احترق ووسيمة تم انقاذها بالمشفى فيما بعد وكان الحريق عندما طلب عزيز من وسيمة ان تغذي المدفأة بالحطب لكن يخرج الأمر عن سيطرتها فيحترق كل شيء ..نجد فى المشهد الأخت الصغيرة زينة البريئة التى تقتلها وسيمة وهي ثائرة بعد اكتشاف أمر أمها وخيانتها حتى أختها زينة البريئة تشعر انها خانتها مع الشاب الذي تلاعب بمشاعرها وحاول اغتيال براءتها رغم أنها تخفى وجهها المحترق تحت قناع ..
وسيمة وزينة يمثلان البراءة فى وجهيهما الملائكي وعلياء وإمام يمثلان الغواية والخيانة وعزيز يمثل الشهامة والضعف الإنساني ..
إنه الثالوث المكرر فى روايات الخيانة والشيطان (الزوج والزوجة والعشيق) ..
وفى خط مواز لحكاية بيت عزيز نجد الفتى الشهم ” فهد” الهواري آخر نسل عائلة الهواري الذي يثور على تقاليد العائلة ويواجه عمه سليمان الهواري الذي كان ينتظر تخرجه من كلية الطب ويفخر به ويزوجه بنتا من بناته الثمانية ، فيطرده من البلد ، وتضع الأقدار فهد فى طريق وسيمة عندما يحل بقرية الشامية ويشاهد وسيمة فى المقابر صدفة ، ثم يلتقي بها فى المشفى الذى عمل به ممرضا ،ويشاهد تعذيب الطبيب لها فى مشاهد بشعة ، فيتحدى إمام ويضربه ويبتر إصبع رجله وينقذها ، لكن إمام يعود ويدبر له المكيدة مع عشيقته المديرة فتلفق له تهمة الإعتداء عليها ليتم طرده من المشفى وتنتهي الرواية بالتخلص من وسيمة بعد اتفاق الأم علياء التى كانت قد تزوجت من الطبيب فيتفقان على قتل وسيمة وينفذ إمام القتل بإعطائها الحقنة القاتلة ويتركنا توني عاطف أمام نهاية قوية مثلما بدأ الرواية من نقطة انطلاق قوية ولكن ما بعد النهاية كان له كلمات أخر قفل بها روايته فكانت تلك الكلمات تدل وتعبر عن المحاكمة والإدانة لكل شيء وللمجتمع نفسه فقال :
نقطة وقوف لبعض من الوقت ولو كان قصيرا على احتراق وسيمة
للعديد من المرات حتى الممات.
ورغم انه كتب سطورا بعد هذه الكلمات يجد فيها المتلقى شرحا موجزا لروايته إلا انه كان من الأفضل ان يتوقف عند
نقطة وقوف لبعض من الوقت ولو كان قصيرا على احتراق وسيمة.
تلك كانت الحبكة والأحداث والشخصيات الرئيسية المؤثرة والثانوية والتى نجح فيها توني عاطف فى سردها مستخدما اللغة الفصحى البسيطة فى السرد بالإضافة لاختياره الأماكن المناسبة لبيئة الأحداث التى تمثل أحد عناصر الرواية المهمة فقرية من قرى الصعيد واسم الشامية ، كل ذلك له دلالات مثلما كان لاختيار الأسماء دلالات ومعان مثل فهد رمز القوة فى مواجهة الباطل وعزيز رمز الشهامة والإنسانية وعلياء رمز الغواية من الأنا والعلو وإمام رمز الغواية والشيطان وكأنه إماما للغرور والكبر ثم البريئتين زينة ووسيمة التى وسمت الأقدار عليها كل الابتلاءات!
هنا نجد عناصر الرواية مكتملة بدء من محيط النص وعتباته وشخصيات الرواية التى رسمها بحسه الفني كرسام استخدم ريشته أحيانا فى التعبير والغوص داخل النفس الإنسانية سيكولوجيا أحيانا وسرياليا أحيانا اخرى ويبقى تحفظا مهما ربما تعمدت ألا اذكره قبل ذلك وتركته للختام وهو أحد عناصر الرواية المهمة فى البناء الروائي
ألا وهو ” الزمن” حيث اختار توني عاطف عام ١٩١٥ زمنا للأحداث وحاول من خلال ذلك التعرض للأحداث العالمية والحرب العالمية والصراع العثماني والبريطاني والفرنسي وتقسيم مناطق النفوذ لهذه الإمبراطوريات ..
بالتأكيد هو يريد ان يقول شيئا ما او اسقاطا ما لكن كان هناك ضعفا فى طريقة توصيل افكاره فقد مر مرورا سريعا وقدم الزمن فى لحظة خاطفة ..وأيضا لم نشعر بذلك الزمن وطريقة الحياة فى ذلك الوقت حتى أن إشارة استخدام الطبيب لسيارته الحديثة ربما لا تكون مقنعة بشكل كبير عند المتلقى فاستخدام السيارة الحديثة والسرد لم تقنع القارىء ان ذلك كان فى عام ١٩١٥ ولكنه فى الزمن الحالي
فلم يقدم لنا شكل السيارة فى ذلك الوقت ولا وصفا لها ليضع المتلقى فى ذلك الزمن ..لكن تبقى الحكاية مستمرة كما نوه توني عاطف فى آخر كلماته فى نهاية مفتوحة فهل أراد ان يقول ان الشر والخيانة مستمرة فى ظل ابتعاد الخير وتدبير المؤامرات ضده ام ستظل المحاكمة مستمرة..
الصراع بين الخير والشر سيبقى مستمرا وبينهما جولات ومعارك أحيانا ينتصر الخير وأحيانا كثيرة ينتصر الشر طالما هناك الشيطان وطالما كانت هناك علياء
وكان هناك إمام وكانت هناك مديرة المشفى..؟!
كل التمنيات الطيبة للصديق الروائي
توني عاطف الروائي الواعد بإذن الله الذي أتمنى له المزيد من التألق وانتظار المزيد والمزيد من الإبداع.
—————-
صابر الجنزوري
الأربعاء ١٧ يناير٢٤

شاهد أيضاً

الدكتور خالد العناني

العناني مرشح مصر … هل حان الوقت لتكون قيادة منظمة اليونسكو “شخصية عربية”؟

عدد المشاهدات = 17584 ربما حان الوقت لأن يتحقق حلم العالم العربى فى قيادة منظمة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.