الخميس , 1 ديسمبر 2022
غلاف رواية "بتوقيت جيلان"

ما خلف سطور رواية “بتوقيت جيلان” لسمـاح الجـمال

= 1947

 بقلم: مؤيد عليوي

في عتبة الرواية الأولى “بتوقيت جيلان” ثمة سؤال يقبع خلفها، ماذا سيحدث ويحتاج الى توقيت؟، ليشير عنوانها الى الحدث أو الاحداث المهمة في المتن الروائي التي تحتاج الى توقيت محدد إلا أن هذا التوقيت لا يتصب بمكان ما كما هو المتعارف عليه من مثل (بتوقيت لندن)، أو غيره من الأمكنة في العالم، بل جاء التوقيت متصل بشخصية البطلة المرأة “جيلان” المدللة لأهلها الاغنياء، وهي الطبيبة النفسية التي لها عيادة خاصة وشقة خاصة بها تعيش حياتها لوحدها وهي بنت الثلاثين ربيعا، فنرى أن العتبة الاولى من الرواية كانت مُجسدة لكل كلمة في المتن الروائي وسرده، أما الحدث الاهم القابع خلف سطور السرد، فهو صورة المجتمع الفوقي والمتصل النظام السياسي في مصر قبل انتفاضة 2011 وفي أحداثها والمشهورة بـ(الربيع العربي)، إذ النظام له مظهر أو شكل خارجي وهو الدولة ومؤسساتها، وله جوهر اقتصادي في حركة الاموال ومصالح رجال الاعمال وعلاقتهم بمؤسسات الدولة، وهم جزء لا يتجزء من النظام، في أي نظام في العالم، وكذلك الافكار في الادب والفن والدين والفلسفة والاعلام، فجميعها تمثل هذا البناء الفوقي كله، الذي يخلق تحته علاقات أوسع في المجتمع بمعنى كيف ما يكون الوعي الاجتماعي في البناء الفوقي يكون اسفله الوجود الاجتماعي، إلا أن سرد المتن الروائي، كان يصوّر بفن الرواية الواقعية البناء الفوقي من خلال شخصيات خلقتها الروائية سماح الجمال في روايتها “يتوقيت جيلان” ولم تتطرق مباشرة الى علاقات رجال الاعمال او علاقة الاعلامي سليم مختار بالنظام بل كان المتن الروائي يتناول حياة الاشخاص او المخلوقات الروايئة، التي هي علاقات المجتمع الفوقي كما تقدم، فكانت علاقاتهم فيما بينهم كـبشرٍ علاقات غير سوية، علاقات غير طبيعية فأغلبهم مرضى نفسيا يذهبون الى عيادة الدكتورة “جيلان” الطبيبة لنفسية ، على الرغم من إنها دكتورة غير مشهورة في مجال عملها، وهو السبب نفسه الذي يجعل كبار البنية الفوقية في الرواية يذهبون لها بحثا عن السرية فلا أضواء عليها ممكن ان تكشف اسرارهم ومراجعتهم لعيادة طبيبة نفسية،بمعنى يبقون محافظين على زيفهم أنهم يعيشون السعادة من خلال المال أو من خلال الشهرة الفنية أو الشهرة الاعلامية، وهذا يشبه عمل الاعلام الكاذب لكل نظام سياسي يزينين ويلمع صورته أمام العالم، حيث يكون من المراجعين لعيادة دكتورة “جيلان” زوجة وزير سابق فاسد من اجل إبنتها المدمنة على المخدرات وسلوكها غير السوي والتي تنتحر في بداية انتفاضة 2011 في مصر، وهي اشارة  ضمنية الى نهاية عهد علاقات البنية الفوقية القديمة مع النظام بل الى نهاية نظام السياسي نفسه حيث نقرأ : (- هل تعرفين مَن أبوها؟ هذا الوزير فاسد وطغى في الأرض وعلى العباد، فضائحه وأعماله على كل لسان، صاحب أقذر صفحة في التاريخ، الله انتقم منه، کم شرّد وعذّب واغتصب هذا عقاب الله، وليس لك يد في أي شيء، هي العدالة التي ينتظرها كل مظلوم کي يستكين قلبه،…).

من مثل هذه الاحداث التي تختص بشخصيات الطبقة المتحكمة بالمال والسياسة والمجتمع الفقير الذي لم يمر ذكره في سرد الرواية،  فتشير هذه الاحداث لشخصيات البناء الفوقي، الى ما يجري للنظام السياسي بكامله، فمثلا من هذه الاحداث التي تأخذ  الاشارة ذاتها وتكشف موقف الطبقة المالية والارستقراطية في البناء الفوقي للمجتمع، غلق عيادة الدكتور “جيلان”  عيادتها ثم ذهابها الى  قصر والدها ( الفلا الكبيرة) مع النقيب معتز ، وتركها شقتها التي تسكن فيها لوحدها ابان بداية انتفاضة 2011 ، فقصر والدها مكان يشير الى عودتها هي ومعتز في موقفهما من انتفاضة 2011 برجعوهم الى النظام السياسي ومركزه وعلاقات اسرهم ومصالحهم مع بقاء النظام، حيث مصالح العوئل المالية المرتبطة بالنظام السياسي. وهذا ما تبين من موافقهما معا اتجاه الانتفاضة حينها حيث لا يباليان لما يجري وهمهما مصالحهما الشخصية فقط كيف يعيشون حياتهما كل على حسب طريقة تفكيره فلا علاقة بينهما سوى ان معتز بن صديقة أمها وهو مريض نفسي حاقد على جميع النساء بسبب خيانة امه لوالده امام عينه وهو صغير في حين كانت الام لا تعلم بوجود ابنها الصغير، علما أن أمه صديقة أم “جيلان”  كما أن أم “جيلان” كانت خائنة مع زوج اختها فانجبت “جيلان” الدكتورة منه مما سبب عائقا لـ” جبلان ” في زواجها من هشام ابن خالتها كما كانت تتصور لكنها أتكشفت انه اخوها بسبب خيانة امها، حيث جيلان وهشام اخوان من اب واحد، فلنحظ تكرار صفة خيانة الشخصيات في السرد وهي تجلي واضح  لخيانتهم للشعب المصري، في معادلة قد تبدوا اخلاقية من زاوية واضحة، لكنها من زاوية اقتصادية هم خونة الشعب فهؤلاء عليّة القوم ماليا ورجال اعمال ورجال شرطة من مثل  النقيب معتز  واعلاميين من مثل سليم مختار، هم كانوا يمثلون السياسة الاقتصادية وحيازتهم الثروة والمال والغنى الفاحش على حساب الاغلبية في الواقع الملموس ، هي خيانة عظمى فاغلب الشعب المصري يبحث عن سكن مثلا  وازمة السكن كانت واضحة فيه، لكن الدكتورة “جيلان ” لوحدها لديها ثلاثة اماكن قصر والدها  وشقتها التي تسكن فيها وعيادتها الخاصة بها؟؟!!! بينما ابسط انسان في مصر من الفقراء او محدودي الدخل لايملك نقود ايجار غرفة واحدة لكي يتزوج بها مثلا. وكهذا نجد المشاكل الكبيرة في المجتمع المصري قابعة خلف سطور الرواية.

أما الشخصية يوسف فهي الشخصية الوحيدة في المتن الروائي التي تعاني من ظلم البنية الفوقية والنظام السياسي، فهو المخدوع بالشعارات الوطنية من شخصية مرموقة لكنه يكتشف زيفها ويحاول المواجهة فينتهي به المطاف الى السجن بدعوى كيدية ملفقة ضده من تلك الشخصية ،وهي اشارة ايضا الى اغلب الوطنين الذين يحاولون العمل من اجل وطنهم الى اين ينتهي بهم المطاف؟؟؟!! هناك الكثير الكثير من هذا وذاك خلف سطور رواية “بتوقيت جيلان” لسمـاح الجـمال من مصر التي ابدعت فيها البناء الفني واللغة المناسبة للشخصيات واختيارها لهم.        

شاهد أيضاً

إنجى عمار تكتب: بالهمس وليس باللمس

عدد المشاهدات = 1262 ابلكيشن”سيلفى سهلة” تصوير بالصوت للمكفوفين . ابتكار نرمين ناصر أمين إبنة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: