الخميس , 1 ديسمبر 2022

“كروموسومات”….قصة قصيرة بقلم الكاتب: صابر الجنزوري

= 3619

كانت المفاجأة التى خرج بها من بحثه فى علم الجينات ودراسة الشفرة الوراثية التى تحمل الصفات الوراثية
أن توصل إلى نظرية وجود كروموسومات تحدد مصير الإنسان وسلوكه فى حياته وما يراه فى أحلامه ومصير علاقاته مع الأخرين وكيف تمضى به الأقدار.
حدث أستاذه الدكتور “جاري” المشرف على رسالة الدكتوراه التى يحضرها فى علم هندسة الشفرات الوراثية ، لم يندهش دكتور “جاري” كثيرا وقال : هذا ما نريد الوصول إليه فإذا كانت الكروموسومات تحمل الصفات الوراثية إذن فهناك نوع آخر من الكروموسومات يحمل عدد وماهية الكلمات التى يتكلمها الإنسان منذ أن يولد وحتى يموت بما فيها صرخته الأولى ومراحل تدرجه فى النطق حتى آخر كلمة قبل الوفاة ولكن إذا افترضنا أن هناك كروموسوم آخر يحمل الأفكار فمعنى ذلك أن كل حياتنا
لا دخل لنا فيها وأفعالنا لسنا مسؤولين عنها..
لم يكترث دكتور ” عَالِمٌ ” بما قاله أستاذه فهو
يعلم أنه لا يؤمن إلا بما يرى فقط ؟
عقب قائلا : معنى ذلك أنه لا يوجد ما يسمى بالإختيار فى حياتنا فكل إختيار ظاهر فى باطنه جبر مخفي !
– الأمر ليس كذلك يا عزيزي ، لقد طلبت لك قهوة الصباح أم تريد شيئا آخر كالشاي مثلا ؟
– بل قهوة الصباح التى أحبها..
– إذن فقد اخترت ولا توجد قوة خفية أجبرتك على اختيار قهوتك ؟
– القوة الخفية هى التى خلقت الإختيار ووضعته فى فكرة أو صورة وقد اخترت إختيارها الذى وضعته فى كروموسوم الأفكار المسجلة ثم تكلمت بالعدد المحدد من الكلمات والمسجل على كروموسوم الكلام فتكلمت.
– لكن ذلك “جبر” إرادة فهل يكون عندنا كروموسومات للجبر وكروموسومات للاختيار ؟
– ها أنت قلت يا دكتور جاري.
– لو استطعنا التوصل لتلك الكروموسومات ووضعنا أيدينا عليها لحدثت المعجزة لأنك تستطيع أن تعرف حينئذ
كل شيء عنى منذ الميلاد وحتى الموت
والأخطر أنك سوف تعرف متى أموت وكيف ؟
– لنستمر فى البحث وعلينا أن نتوصل إلى مكانها بالضبط.
كانت مشكلة ” عَالِمٌ ” التى تؤرقه فى ” ماهية الموت ” فيسأل نفسه : كيف ومتى وأين أموت ؟
إذا كان الموت جبرا فكل شيء آخر ليس اختيار.
الدكتور جاري يتمنى لو توصلنا إلى هذه الكروموسومات لنعرف سر الخلق الأول
ولكن هل نستطيع أن نمنع الموت ؟
– أتريد أن تعرف أين الكروموسومات يا عالم؟
– نعم يا أبي
– لماذا ؟
– من أجل الإنسانية !
– وهل الإنسانية أخبرتك أنها بحاجة إليك
– كلا يا أبي ..هذا عِلْمِ .
– إذا كنت عالما فهناك العليم الذى يمدك بالعلم متى وكيف أراد وتذكر:
“ولا تقف ما ليس لك به علم”..
استيقظ من حلمه ، وجد الكلمات على لسانه يرددها فتذكر أنها كانت الأية الأخيرة التى قرأها أبيه قبل رحيله.
ماذا يريد أن يقول أبي ؟
لا بد أنها رسالة أو إشارة ولا بد أن أفهمها.
أخبر الدكتور جاري بما رأي وسمع.
أخذ “جاري” يردد الكلمات ويتأملها
بينما “عالم” ينصت إليه :
من الذي جعل أبيك يأتى إليك ويخبرك بما أخبرك به ومالمعنى الذي يريدك أن تفهمه ؟
– هذا ما جعلني أتحدث معك فلو كنت أعرف لأخبرتك.
– هل تنطبق نظريتك على رؤيتك لأبيك ؟
– بالتأكيد فذلك مكتوب فى الكروموسومات وبناء عليه كان لا بد أن يحدث وفى وقته وبنفس الطريقة التى حدثت وكذلك مجيئي إليك وحديثنا الأن فكل ذلك موجود فى كروموسومات الأفكار والكلام..
– إسمع يا عالم ، الرسالة التى يريد أبيك أن يخبرنا بها خاصة أنك تقول أنه كان يبحث فى ذلك الأمر قبلك فمات وأخذ السر معه ..
هي أن نتوقف عن البحث ونعتبر وجود الكروموسومات مجرد فكرة أو نظرية لأننا لن نستطيع الوصول إليها لأن ذلك ليس وقت ظهورها ؟!
– أتفق معك وأضيف أنه يريد أن يقول لنا أنه ليس من اختصاصكم ذلك الأمر ولو بالفرض أنها موجودة.
– اختصاص من إذن ؟
– إنه شأن الإله ؟
صمت دكتور “جاري” وانتفض واقفا وأشعل غليونه وضحك مرددا ” الإله ” الذى تؤمن به يا “عالم” أليس كذلك ؟ ثم أردف فى حنق :
ربما لا يستطيع أحد أن يخلق شيئا ولا أن يعرف كيف ومتى وأين يموت لأن إلهك تكفل بذلك ولكن من حقنا أن نبحث ونعلم لماذا ولا نكتف بكيف ؟
استرسل بعد أن شعر بامتعاض “عالم” :
أخبرني عن آخر ما توصلت إليه فى الشريحة الأخيرة التى طلبت منك إعدادها.
تلعثم عَالِمٌ وطلب من جاري أن يذهب معه إلى المعمل،
تناول الشريحة ووضعها تحت عدسة الميكروسكوب ..
فى هدوء قال : لقد توصلت لتصميم هندسي لشفرة وراثية تحمل جينات جديدة تخبرنا عن بيولوجية هندسة الأعضاء وكيف تتناغم مع بعضها فى هارمونية الجسد.
– ماذا تقول يا عالم ؟ هل أنت مدرك ما تعنيه ؟
– أردت أن تكون هذه الشريحة مفاجأة لك..
– دعني أرى ..
حرك الشريحة فى كل الإتجاهات ، تأمل التصميمات الهندسية للجينات وطريقة وجودها وتداخلها وارتباطها ببعضها بروابط دقيقة جدا..
مازال يفحص ويشاهد الكروموسومات كأنها كريستالات ماسية فى أشكال سداسية ومخروطية بينما عالم يقف لا يحرك ساكنا وكأنه ينتظر تعنيفا وتوبيخا ، سحب دكتور جاري الشريحة ، تهلل وجهه الذى توردت خدوده واكتست بلون أحمر دموي ، قذف الشريحة
فى الهواء ، قفز فى الهواء صائحا :
هناك ” إله “؟!

——————-
صابر الجنزورى
الثلاثاء ٨ نوفمبر٢٢

شاهد أيضاً

عن روايتها “الناشز” .. الكاتبة لمياء الخولي: أقدم وجبة دسمة في قالب قصير

عدد المشاهدات = 2065   – تأثير “الشخص الناشز” على من حوله مدمر! – أحاول …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: