الأحد , 29 يناير 2023

عبدالرزّاق الربيعي يكتب: “روميو”، ويمامة “جولييت” البيضاء!

= 1355

raza


" ما الدنيا إلا مسرح كبير، وما نحن إلا ممثلون على خشبته"

جملة عميقة قالها شكسبير ،على لسان أحد أبطاله ، في مسرحية" هي كما تريدها"، وأراد فيها القول أنّ ماتشاهدونه على الخشبة ليس سوى انعكاس للواقع بكلّ تقلّباته، وتحوّلاته، وكلّ شخص في هذه الحياة ليس سوى ممثّل يؤدّي دوره الذي رسمته له المقادير، ولهذا نتفاعل مع العروض المسرحيّة، ونشعر بارتياح بعد مغادرتنا قاعة العرض، وهذا ما يسمّيه أرسطو بـ"التطهير"، كغاية يسعى إليها الجمهور،وكلّما كان التفاعل أكبر ضمن العرض بقاءه، ونجاحه، وخلوده، لارتباطه بقضايا الإنسان في معترك حياته.

تذكّرت هذه الجملة، وأنا أشاهد أوبرا  "روميو وجولييت" المأخوذة من مسرحيّة شكسبير التي قدّمتها دار أوبرا مونت كارلوعلى مسرح دار الأبوبرا السلطانية مسقط على مدى ثلاث ليال متتالية ، علما بأن العرض الأول لهذه الأوبرا التي وضع موسيقاها الفرنسي شارل غونو جرى تقديمه عام 1867 م ، وها هو جمهور" الأوبرا السلطانيّة" يشاهد مأساة العاشقي، بعد كلّ تلك السنين، ويقوم بأداء دوري البطولة نجم الغناء الأوبرالي، التينور جان فرنسوا بورا، والسوبرانو نينو ماتشايدزيه بمصاحبة عزف أوركسترالي حي، دون أن يفقد تأثيره، فالأعمال الخالدة تظلّ حيّة كونها تعزف على الوتر الإنساني، علما بأن المسرحيّة كتبت قبل تقديم تلك الأوبرا بأكثر من 300 سنة، إذ من المرجّح أنّ ذلك كان بين عامي 1591 و1595 .

وقد أتيحت لي قبل حضور هذا العرض فرصة مشاهدة المسرحيّة القائمة على الصراع الذي يواجهه عاشقان في "فيرونا " ينتمي كلّ واحد منهما إلى عائلة معادية للأخرى:" مونتغيو" عائلة "روميو"، و" كابوليت" عائلة "جولييت"، ويفضي العداء، في النهاية،  إلى الموت المأساوي للبطلين الذين التقيا في حفل راقص دون أن يعلما أنّ خصومة، وعداء يحولان بين قلبيهما، وكان أحد العروض قد شاهدته على الدار نفسها قبل أكثر من عام ، إلى جانب حضور العديد من العروض التي قدّمت على مسارح بغداد، ومعهد وكلية الفنون الجميلة، ومن أبرزها العرض الذي قدّمته فرقة" شكسبير" البريطانيّة على مسرح الرشيد أواخر الثمانينيّات، وكان على شكل مسرح عرائس، أحال التراجيديا الشكسبيريّة إلى عرض كوميدي، جعل الابتسامة تقطن الوجوه التي كانت قد هيّأت نفسها لعرض تراجيدي، فجاءت النتيجة معاكسة، وهذا دليل على أن النص قابل للقراءة والتأويل ، ولهذا قدّم مئات المرّات على المسرح، واجتهد كلّ مخرج في سحبه من متحفيّته، واسقاط مشكلات  الواقع المعاصر من خلاله، طالما أنّ الكراهيّة مستمرة، والصراعات مستعرة بين الأطراف المتحاربة، وغالبا ما تكون على حساب المشاعر ، والعواطف الإنسانيّة التي تتهاوى ضحيّة في عالم لا يرحم.

وقد لاحظت أنّ مخرج العرض الأخير الذي احتضنته الأوبرا السلطانيّة، أنهى عرضه عند مشهد موت البطلين، فيما حذف المشهد التالي له ، كما قرأنا في المسرحيّة ، والذي تتخلّى به العائلتان عن صراعهما ، وتتصالحان أمام  جثّتي العاشقين ليكونا قربانا، لذلك الصلح، ويبدو أنّ المخرج أراد بهذه النهاية الحزينة أن يقول لا جدوى من تقديم تلك القرابين، فالصراعات في عالمنا مستمرة، ويكون الجمال دائما هو الضحيّة التي يتجمّد على مذبحه الحدث، وقد أكّد في أحد المشاهد على قيم التسامح عندما صفحت "جوليت" عن "روميو" كونه قتل ابن عمها "تيبالت" الذي طعن صديقه "مركوشيو" حين هبّ لنجدة "ستيفانو" وصيف روميو الذي سخر من قصر "كابيولت" عندما وصفه بــ"عش نسور تعيش فيه يمامة بيضاء" هي "جولييت"، وتكون النتيجة نفي "روميو" خارج "فيرونا" ، مما يحول هذا بينه ،وبين "جولييت".

وقد حاول من خلال سينوغرافيا العرض أن يملأ الخشبة بالجدران، وجعل حتى الستارة على شكل جدار، ظهر عليه رسم عملاق لعاشقين متعانقين، في لمسة منه ذات دلالة، أمّا تأكيده على الجدران ، ففيه إشارة إلى أنّ هذه الجدران المشيّدة بأحجار الكراهية، هي ما تفصل بين العوالم المتحابّة .

وكانت الموسيقى في غاية الرومانسيّة، وكأنّ واضعها، الموسيقار الفرنسي شال غونو ،أراد أن يعادل مايحدث من صراعات  أمام أنظار الجمهور بتغذية أسماعه بمقطوعات موسيقيّة تجعله يسبح في عوالم أخرى تخفّف من حدّتها، في جوانب وتعزّزه في جوانب أخرى، وبعد انتهاء العرض، زالت العتمة في القاعة أمام الأضواء،  فتركنا مقاعدنا، وغادرناها، فيما ظل رسم العاشقين المتعانقين يقف شامخا مؤكّدا انتصار قيم الجمال، والمحبّة، والتسامح.  

شاهد أيضاً

حياة اليوم الواحد..!

عدد المشاهدات = 7043 ✍️ صفاء مكرم التقط شاب كتابا وقرأ فيه اثنتين وعشرين كلمة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: