الإثنين , 30 يناير 2023

عبدالرزّاق الربيعي يكتب:مسافران بحقيبة واحدة..!

= 858

Razak 2


فقدتُ عزيزين خلال يومين على التوالي: الأول كان يوم الأحد الماضي، عندما فجعت برحيل أخي الشقيق الناقد السينمائي محمد الربيعي، جراء سكتة قلبية، قضتْ عليه خلال أقلّ من دقيقة، في منزله ببغداد، بينما كان يستعدّ للتوجّه إلى العمل، وفي اليوم التالي مُني الوسط المسرحي، والسينمائي العراقي، والعربي برحيل الفنان الرائد يوسف العاني في إحد مستشفيات العاصمة الأردنيّة عمّان، وبين العاصمتين العربيّتين حوالي ألف كيلومتر، "وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا ۖ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ".

جثّتان ساكنتان، وقدران مختلفان، وحقيقة واحدة أعيت المفكّرين، والفلاسفة، وإذا كان أخي الراحل الذي يتذكّره سينمائيو "مسقط" ، ويميّزونه من خلال طوله البالغ مترين، وخمسة سنتمترات، وهو ما جعل أحد الأطباء يسأله ،كما أسرّ لزوجته: كيف استطعت أن تتجاوز عتبة الثلاثينيّات، فأصحاب القامات الطويلة، عادة، يرحلون قبل ذلك، كون الطول يتغذّى على أعمار أصحابه، لأنّه يجهد القلب، ولهذا اعتزل لعبة"كرة السلّة" بوقت مبكّر، وكان من ضمن تشكيلة منتخب العراق للشباب،  فمضى إلى دار حقه، دون مقدّمات سوى أوجاع قلبه الطيّب، تاركا العديد من المشاريع التي لم تكتمل، من بينها كتاب حول المخرج العالمي "يوسف شاهين"، وسيناريو فيلم لم ير النور.

 فّإذا كان "العاني " قد أمضى حياة ثريّة عاشها طولا، وعرضا، حتى ناهز عمره  التسعين، ممثلا، ومخرجا، ومؤلفا، رفد خلاله المسرح، والتلفزيون، والسينما بالعديد من الأعمال، إذ كتب(44) مسرحية وألّف ( 28) كتابا، ومثّل في (58) مسرحية، ولم تنحصر جهوده في المسرح، والدراما التلفزيونيّة التي رفدها بالعديد من الأعمال أبرزها" عبّود يغنّي"،بل تعدّت إلى السينما، إذ أسهم في (12) فيلما سينمائيا، من بينها "حدوتة مصرية" للمخرج يوسف شاهين، ولعلّ أبرز أفلامه " سعيد أفندي-1956"، وهو من أوائل الأفلام التي شاهدتها بدار عرض سينمائي بطفولتي، في مطلع السبعينيات، ويعدّ علامة بارزة في تاريخ السينما العراقيّة، فيما كانت مشاهدتي الأولى له على خشبة مسرح بغداد عند عرض "الليلة البغدادية مع الملا عبود الكرخي" 1983،

وأذكر أنّ الفنّان الراحل كان ينسلخ عن الدور بين مشهد، وآخر ليلقي رسائل توعوية،  على منهج بريخت في "التغريب" الذي  يجعل المشاهد مشاركا في العمل المسرحي، عن طريق هدم الجدار الرابع، وهو جدار وهمي يفصل بين الجمهور، وخشبة المسرح، وإلغاء الإيهام، ووفق هذا المنهج، لم يعد الاندماج شرطا يحرص عليه الممثل، من حيث أنّ المسرح لعبة متفق عليها،وهو جزء من الحياة، ورسالة حرص العاني على إيصالها للجمهور عبر عقود أمضاها مع المسرح ، ونظريّاته حتّى أسلم الروح إلى بارئها، بعد صراع مع المرض، مثلما أسلمها أخي بلحظات.

وكان آخر لقاء جمعني بالعاني في العاصمة الأردنيّة عمّان عام2007 خلال لقاء ضمّ نخبة من المثقّفين العراقيين، فيما كان آخر تواصل لي مع أخي الليلة التي سبقت صباح الرحيل، بعد أن قرأ مقالي السابق المنشور في موقع"عمان"" قهوة، وتمر، وموسيقى"، وواصلنا أحاديثنا المعتادة حول السينما، والإعلام، والحياة، قبل وداعنا الأخير، ليصلني في الصباح خبر رحيله المفزع ،وأستحضر هنا وصف الجواهري للموت عندما صوّره بهيئة ذئب يترصّد الشاعر، وفوق نيوبه دم أخوته، وأقاربه، وأصحابه، هذا "الذئب" لا يفرّق بين صغير، وكبير، ولا بين غنيّ، وفقير، ولا بين مبدع جمالي، وإنسان عادي  يمشي في الأسواق، فالجميع سواسية أمام فكّه الذي يقف مستعدا للإنقاض على فريسته، مادام "كلّ من عليها فان، ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام"، وإزاء "مصيبة الموت"، كما وصفها ربّ العزّة في الآية (106-سورة المائدة)، فليس أمامنا سوى الصبر، مهتدين بقوله تعالى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ. الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ. أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ} [البقرة:155-157].

ويبقى قول ابن نباتة السعدي ماثلا بيننا:

ومن لم يمت بالسيف مات بغيره
تعدّدت الأسباب والموت واحد

رحل العاني، بعد أن حفر اسمه في ذاكرة الفن العراقي، والعربي، ومضى أخي،وبقيت مقالاته، وكلماته، وضحكاته حيّة في ذاكرتنا، وقلوبنا ومشاريعه المؤجّلة التي نسعى إلى اظهارها للنور الذي جلّله في رحلة حفيد "كلكامش" الجديدة، وهذا هو نصيب بني البشر، كما لخّصت أقدم ملحمة في تاريخ الحضارة الإنسانيّة، ونحن نسلم بهذا ما دمنا نؤمن أن "كل شيء هالك إلا وجهه".

 

شاهد أيضاً

حياة اليوم الواحد..!

عدد المشاهدات = 7599 ✍️ صفاء مكرم التقط شاب كتابا وقرأ فيه اثنتين وعشرين كلمة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: