الأربعاء , 21 فبراير 2024

رشا الشايب تكتب: ابحث عن الماضي..!

= 2299

رأيت أحدهم يوما ما يتحدث بعنترية وجفاء أقرب إلى الوقاحة مع شخص آخر سمته التهذيب والرقي، قرر ألا يرد عليه بالمثل بل تعامل معه برقة ولطف مغلفة بلينٍ غير مسبوق ثم تركه ومضى فى هدوء.

ولا أنكر أن قد فاجأنى وقتها رد فعله غير المتوقع خاصة أن مُحدثه لم يبدأ معه بأى حديثٍ يحمل الفظاظة أو الغِلظة أو حتى أدنى احتمال من الخشونة والسماجة، قلت فى نفسى لِم تبدأ برد عنيفٍ كهذا مع مُسالمٍ لم يحمل لك شرا أو عداوة؟ لِم لَم تترأف بحاله وتُسكت عَبَثك هذا وهو قد قرر ألا يرد عليك؟ ألم تخجل من نفسك؟ وحتى لو ظننت فيه السوء −دون دليل يُرى− ليس من حقك أن تتعامل معه هكذا بهذا الجَلَف وتلك الخشونة غير المسببة.

ولكن الآن وبعد مرور سنوات أدركت تلك الحقيقة وهى أن كلما نضجت أكثر كلما قلت لديك معدلات عنصر المفاجأة، فكل سلوك غريب مر بك كان وراءه دوما سبب يبرره أيا ما كان هذا السلوك.

ولا أنكر عليكم أنى قد تجرأت وسألت هذا الفظ عن سبب فظاظته خاصة وأن الطرف الآخر لم يحرك ساكنا تجاهه لا قبل فظاظته أو حتى بعدها، فرد عليّ بردٍ حسبته غريبا وقتها:∪ وهو أن فعل ذلك رغبة فى فرض سيطرته عليه قبل أن يبدأ بها الآخر، فيرد بطريقته على أذى توقع أن يُحدثه الآخر فيه مستقبلا، فيتصرف بذلك الهجوم الاستباقى.

وبحثت عن هذه الحالة إلى أن وجدت شبيها لها ويذكر تحليلا عنها المحلل النفسى الشهير جروس فقال: إنه من المؤكد أن هناك شيئا من الماضى ترك أثرا فى نفسه وأثر عليه فبدت تصرفاته على هذا النحو، كالشعور بالخوف مثلا فالحالة الشبيهة التى حللها جروس لشخص كان يشعر بالخوف دون أن يعرف سببا يقينيا له واتضح بعد ذلك أن والديه كانا عنيفين معه جدا حينما كان طفلا.

ومنذ ذلك الحين وهو يحاول التغلب على هذا الأمر لأنه بات يزعجه جدا ويكدر عليه سلامه الداخلي، وليتجنب هذا الشعور اللعين “صدمة الخوف من الأشخاص أو الأحداث” قرر أنه من الأفضل بالنسبة له أن يكون مهاجما بدلا من أن يكون عُرضة للهجوم، أن يتمتع بقدرة عجيبة على إصابة الآخرين بالصدمة بدلا من أن يعيش فى خوف من تعرضه هو للصدمة، فيتصرف بطريقة عكسية توضح سيطرته حتى لو كان خاطئا، فالخطأ مبرراته كثيرة، والمخطئ عنيد لا يعترف بقبيح فعله إلا القليل خاصة إن كان مريضا يحتاج تحليلا نفسيا لاكتشاف ذلك.

الخلاصة، لا تتعجب ردود الأفعال العجيبة فهناك دوما سببا وراءها لا تعلمه خاصة فى زمن كزماننا يعج بالمرضى النفسيين.

——————-
* تم نشر المقال نقلا عن بوابة “أخبار اليوم” بالتنسيق مع الكاتبة.

شاهد أيضاً

داليا جمال تكتب: لسان القوة.. ولسان العصفور!

عدد المشاهدات = 2458 ليست الإنسانية هى السائدة بين دول العالم.. ولا القوانين ولا حتى …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.