الخميس , 8 ديسمبر 2022

“الطابور” … مقال بقلم: مرفت بنت عبدالعزيز العريمية

= 5051

قبل الدخول إلى الصف نقف في طابور طويل بانتظام، ونتّجه إلى الفصول على أنغام الموسيقى الصباحية، الأحاديث الجانبية ممنوعة والخروج عن الطابور سلوك يُعاقب عليه، البعض كان يتعمد الخروج عن الطابور لتسجيل موقف أو إثبات وجود.. هكذا كان يبدو، مع أن الهدف من الطابور المدرسي تعليم الأطفال الصبر والنظام واحترام أدوار الآخرين، وهو بمثابة الدرس الأول في النظام والتنظيم، إلّا أنَّ الواقع المعيش الذي يدركه الطفل بعد خروجه من المدرسة، أن المجتمع يرى في الطابور تقييدا لحريته والفوضى نظاما.. فيضيع الهدف.

جاء ذكر الطابور قديما في معاجم اللغة، وعند ابن خلدون، أما المفهوم المعاصر، فقد أتى مع الحروب العالمية، ولم يتحدّد تاريخ معين لتوثيق فكرة الطابور، إلّا في كتاب الثورة الفرنسية، للفيلسوف الأسكتلندي توماس كارلايل، الذي أوضح أن الفقراء والريفيين، يقفون في طوابير أمام المخابز للحصول على الخبز.

وقبل الطابور، كان الناس يتقاتلون للحصول على السلع الأساسية، حتى فرضت بعض الدول نظاماً، بضرورة الاصطفاف في الطابور للحصول على السلع، والخدمات تحت شعار “العدالة والمساواة للجميع”.

ويعد الخروج عن الطابور وتجاوزه، سلوكا يُعاقب عليه القانون في بعض المجتمعات المتحضرة، ويُفرض غرامات على كلّ من تسوّل له نفسه ذلك.

منظر شائع داخل أقسام خدمة الزبائن في المؤسسات الحكومية، والبنوك، والمحلات التجارية أو مواقف الباصات والقطارات، أن ترى طوابير طويلة من البشر، في انتظار الخدمة أو شراء سلعة أو لتوقيع كتاب أو شراء رواية أو اقتناء إصدار حديث من الأجهزة الإلكترونية، يقفون بنظام في انتظار دورهم في صمت وصبر، قد يمتد الوقوف لساعات، وفي الدول التي تعاني ويلات الحروب والمجاعات نشاهد طوابير بشرية تحت أشعة الشمس يصارعون الموت، متشبثين بالحياة ينتظرون حصتهم من المؤن، والمساعدات الإنسانية من ماء نظيف وغذاء.

يقول الباحثون في علم النفس، إن هناك علاقة وطيدة بين التحضر، والرقي المجتمعي وبين الانتظار في الطابور، ففي المجتمعات الأقل تحضراً والمجتمعات الفوضوية، التي لا تميل إلى التنظيم واحترام النظام، يفضّل البعض استخدام القوة والنفوذ على انتظار الدور في الطابور، لذلك تنعدم فكرة التزام الطابور في دول أمريكا اللاتينية وشبه القارة الهندية والدول العربية. فهذه الشعوب ملولة وصبرها قليل، وعادة ما نرى تجاوزات وصراعات وتدافعا في كل طابور.

نشرت صحيفة الأهرام المصرية، في أعقاب نكسة العرب في عام 1967، تفاصيل عن مؤتمر صحفي لموشي دايان وزير الدفاع الإسرائيلي- آنذاك- يتحدث عن “النصر” فبادره صحفي بمداخلة، قال فيها إنه لولا عنصر المفاجأة، ومباغتة إسرائيل العرب على حين غرة، لما تحقق النصر، وإن العرب ما زالوا قادرين على النصر باتحادهم، فجاء فحوى رد موشي دايان: “طالما وردتنا تقارير وصور ومشاهد من التلفاز عن العرب، أنهم لا يعرفون الوقوف في الطابور بانتظام، وبشكل حضاري لذلك، فإني لا أخاف منهم”!

إنّ واقع الطابور في مجتمعاتنا العربية أشبه بتناقضات كثيرة في حياتنا، ومرآة تعكس ثقافتنا ومفهومنا للنظام، واحترام حقوق الآخرين، وتعكس عدم حب البعض للنظام والتنظيم والتعالي على كل شيء يحقّق العدالة والمساواة بين البشر، في تناقض عجيب بين ما نقوله وما نفعله.

من المشاهد المألوفة في كل طابور، أشخاص يأتون من آخر الصف يتجاوزون الطابور بكل ثقة وقلة احترام لوقت الآخرين، ويطلب من الموظف خدمته الذي بدوره يتجاهل الطابور ويقوم بخدمته! وعندما تحاول تذكير الموظف بالنظام، يتجاهلك في أحسن الأحوال، أو قد يتعمد الموظف تأخيرك أو إضاعة مُعاملتك كردة فعل غير طبيعية على مناشدتك للمساواة بين أفراد مجتمع الطابور.

يعد الطابور أسلوب حياة اكتسبه الإنسان، لضمان الحصول على حقه من الخدمة، أو السلعة، فالمبدأ الأساسي للطابور من يأتي أولا يٌخدم أولا.

عادة ما نرى في مجتمع الطابور مزيجا من السلوكيات الإنسانية، كالفوضى والنظام، والعنف واحترام القانون والصبر والعجلة، وهو يعد مجتمعا مصغراً، يعكس ثقافة البشر، فهناك أنواع مختلفة من الناس: المتأفف من طول الانتظار، وسريع الغضب في انتظار أية غلطة حتى ينفجر، والكريم الذي يوزع دوره للآخرين دون الاستْئذان من بقية الطابور! والمُتطفل على الطابور الذي يذهب مباشرة إلى الموظف على اعتبار أن وقته ثمين أو ذو مكانة أعلى، ممن يصطفون بالطابور، وقد يتحجج بظرف طارئ حتى ينال مراده، والنوع الأخير الرزين والمتحضر الذي يلتزم بالنظام.

حتى الطابور لم يسلم من المتنمرين، ففي بعض الدول يتولى شخص المتنمر، إقصاء الناس عن أدوارهم، مقابل مبلغ من المال، قد أخذه من شخص آخر، لا يحب الوقوف في الطابور. وهناك من يعرض على الناس الوقوف عنهم في الطابور مقابل مبلغ من المال.

من القصص الطريفة عن الطابور، قرأتها ذات مرة، في خضم اضطربات حدثت، في المملكة المتحدة في أحد الأعوام، اصطف مجموعة من اللصوص في طابور يسرقون المتجر واحدا تلو الآخر بحيث لا يدخل الثاني حتى يخرج الأول، هذا يعكس مدى تشبع المجتمع بمفهوم احترام الطابور لدرجة التزام اللصوص بالنظام وهم يسرقون!

إن فن الوقوف في الطابور له قواعد وأصول وليس اعتباطيا كما يبدو، وهو علم يدرس في الجامعات ومراكز الأبحاث لجعل تجربة الطابور أكثر سهولة وتحقيقا للربح والراحة ويمثل مقياسا للرقي وتمدن الأمم والشعوب، وعدم احترام النظام يعني الفوضى والتخلف، والفوضى مرض لما يسببه من مشكلات حياتية تجعل الإنسان عاجزا عن تحقيق التقدم، لعلي أستحضر موقف اليابانيين في تسونامي فقد كانوا مثالا للنظام والتنظيم، والتكاتف، والتعاون، ففي ذلك الموقف العصيب، وحجم الدمار الذي لحق بهم لم تسجل أية حالة سرقة من منزل أو متجر والتزم الفرد بحصص أقل من الطعام، وقد نقلت القنوات الفضائية مشاهد لطوابير طويلة من السكان في انتظار المؤن، فقد كانوا مثالاً للالتزام، في حين نرى مشاهد متشنجة وانفعالات وضجيجا واحتقانا لا يخلف سوى الصوت في طابور لدفع فاتورة!

تقول المؤلفة الأمريكية جريتشن روبين “إذا كنت لا تتحلى بالصبر أثناء انتظار الحافلة، فأخبر نفسك أنك تقوم بتأمل انتظار الحافلة. إذا كنت تقف في طابور بطيء في الصيدلية، فأنت تقوم بالانتظار في طابور التأمل. مجرد قول هذه الكلمات يجعلني أشعر بروح عالية وعقلية رفيعة وحكيمة.

إن النظرة الإيجابية مطلوبة في التعامل مع مثل تلك المواقف؛ فالحياة تجارب نتعلم منها واختبار لأخلاقياتنا، فإذا كان الطابور سببًا في خروجنا عن مبادئنا علينا أن نراجع أنفسنا.

————————
* كاتبة عمانية.

شاهد أيضاً

“للتقدم لغة” … بقلم: مرفت بنت عبدالعزيز العريمية

عدد المشاهدات = 242 هناك علاقة وثيقة بين التقدم في مؤشرات التنمية البشرية والقراءة، فكلما …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: