الثلاثاء , 6 ديسمبر 2022
الكاتب صابر الجنزوري والمفكر سليمان جمعة

أهمية الحوار في بنية النص .. قراءة بقلم الأديب المفكر اللبناني سليمان جمعة 

= 2404

 

النص: ذاكرة الورد 
للأديب المصري: صابر الجنزوري 

ذاكرة الورد

بعد فراق ، التقت العيون وذهبت دهشة التساؤلات ، كانت هناك نبضات وخفقات سريعة داخل قلبيهما ، كلاهما يتحسس قلبه ويقترب من الأخر ، تصافحا ، أخذ الزمن منهما ما أخذ ، لكن الصورة توقفت عند أخر لقاء.
فى عباءتها السوداء الأنيقة كانت تطل من عينيها مسحة حزن انعكس على وجهها الأبيض الذى تورد بحمرة وردية عندما اخترقتها نظراته ووضعت علامات الإستفهام على خصلة شقية انسدلت على جبهتها من تحت حجاب أسود.
قرأت كلماته وأزاحت الغطاء عن السنين ومسحت غبار الزمن الذى ولى.
قالت :
– إنكسرت فتحت كل رداء أسود حكاية حزينة؟
– مازالت ابتسامتك جميلة رغم الحزن الذى تحاولين إخفاءه.
– لن نسطيع استعادة الزمن.
– اصعب وأجمل الأشياء أن نعرف كيف نحول الإنكسار انتصارا فمازال فى العمر بقية..
– كل من يعرفك يقول أنك تعيش فى سعادة ، أما أنا فأشعر بحزنك النبيل الذى تخفيه وراء ضحكاتك.
– كل شيء عنك أخبرتنى به الأحلام!
– غريبة هى الأرواح تظل فى لقاء
وإن افترقت الأجساد فروحك لم تفارقنى.
– الذين رحلوا عنا مازالوا يعيشون معنا ، ويشعرون بنا وقد يخبروننا بأحداث مستقبلية من خلال إشارات
لا نعرف معناها إلا عند حدوثها ؟
نظرت فى توتر إلى ساعتها ، كانت الشمس تلملم بقايا وجودها فى السماء ، وهواء الخريف البارد يداعب أوراق الشجر التى تتساقط على استحياء.
صمت الكون وتعلقت النظرات
بالبستاني الذى كان يروى حديقة الزهور.
ثمة وردة كانت بها ورقة أخيرة
أشارت إليها وقالت :
لقد اوشكت على السقوط.
قال : كل الأشياء تتغير وتتحول وتجدد نفسها.
لاح فى الأفق وسط السحابات الداكنة وجه القمر الدامي.
تناولت حقيبتها السوداء ، تركت كفها الصغير فى يديه، امتزجت نبضات الرسغ بدقات عقارب الساعة التى
لا تتوقف .
اختلط الشجن بصوتها المخنوق كوجه القمر
همست : ماذا لو غادر البستاني حديقتها؟
صابر الجنزوري….مصر ٢٠٢١
………………….

القراءة

“ذاكرة الورد”
قصة للاديب المصري
صابر الجنزوري.
لها وجهان :
الاول قصة حب منتهية بفراق ..والفراق فيها بينة معرفية تطفو على السطح بمشاعر ترسمها الحواس ..ولكنها سؤال وجودي يسبر علاقتنا بالغياب او الغيب.
وبعد هذا الغياب الطويل
يلتقيان وهم على ضفة متقدمة من العمر ..اللقاء بنية الالتقاء مع الاعماق
وحوارها بعد تجربة حياتية ..وهي نافذة روحية قلقة تريد اجوبة
وبالحوار بينهما نتعرف على بنية النص العميقة
التي ارادها الكاتب ..كعادة الجنزوري فهو يبث فكرته من خلال قصة اطار هي الوجه الاول ويتجلى الوجه الثاني من خلال حوار هو فلسفة يجوبها او يدعوك اليها لتشاركه الحوار..
من هنا نقف معه على بساط الحيرة والتساؤلات التي يولدها الفراق كالموت مثلا او مقاربة العمر بعد ان يشارف على النهاية فيقطفه القدر..لينتقل من الحضور الى الغياب.
هذا ما اراد الجنزوري ان يبثه فينا ان نحاور هذا الوجود ..فاقترح لفكرته حياة حب ففراق ثم بعد حين من الدهر لقاء ..
لنرى حركة هذه الحياة التي شكلتها بنى معرفية ترسم معالم سيميائية توحي وتغيب ..
الفراق اسس لتساؤلات لم يفصح عنها واسس كذلك ان ما مر من عمر على مستوى حب قائم او غائب كيف كان الغياب؟
التقيا … الحس اخذ دوره في التعبير
وانطلق الحوار
هي عبرت عن انكسارها والحزن وهي ترتدي عباءتها السوداء ..التي تلخص ان ما مر به كان ليلا..الا خصلة من شعر تحكي على جبينها قصتها لها اي عنوانا..
وهي تراه حزينا
وكانت الاحلام تخبرها عنه ..فلم يغب .هنا الفكرة ودور الحلم بين الواقع والمتخييل والغيب اذا كنت ترغب في لقاء ما تحب ومن تحب تبقى على تواصل معه بالحلم ..وقد يكون الجنزوري قد استقى ذلك من موروث معرفي او تفسيري لآية ..والله يتوفى الانفس…بتناص يوحي من بعيد ..
وهنا يقابلها هو بانه سيحول انكسارها الى انتصار وانها كانت دائمة الحضور معه كروحه..وكان يتواصل معها اذن كانا على تواصل ايس بلا وعيهما انما بارث الحب والتواصل الروحي بالحلم والحدس ..ليقول الماضي لا يفنى فهو باق بجماله او بقبحه في اعماقنا ..يرسم معالم نهايتنا وثوابنا وعقابنا..
هذا الوجه العميق اي الفكرة التي اظهرها بالحوار ..حين لقاء
لنعود الى رسم الحاضر الذي اجاد في رسم علاماته
الشمس تلملم آخر شعاعاتها ليعبر انهماعلى نهاية كالشمس والشمس تعطي الضوء اي روح حياة ..فهما كانا عطاء للحياة التي عاشاها واوفياء بالعودة كالفجر وما زالا شمسا..
وكذلك وردة ولها ورقة واحدة يتعهدها بستاني
هذا المشهد الذي اعطى للقصة عنوانها..
الوردة هي او هو والورقة بقية عمر ..ولكن الورد يعطي عطرا يجذب ويملأ المكان طيبا ولا ينفر والبستاني بنية تمثل الذي يعتني بها لتبقى على قيد وصال ..هو الحب ..اذن
وضعنا النص على ضفتي الشهود والغياب ..والماء الذي يبقينا في الضوء وفي محبة الوجود هو الحب ..
وهكذا نصل الى سلامنا اذا عشنا فيه او غادرنا الى الغيب ..واذا ما غادر سقطت آخر ورقة امل ان نكون على تواصل ان بالحلم اوبالحدس وان بمد اليد وبناء الشروط لحياة هنية ..
القمر هو اله الحب يعيش بطقوسنا او يغضب فيتوارى.

سليمان جمعة

لبنان في ٣١ أكتوبر ٢٠٢٢

شاهد أيضاً

“أنا ليلاك” … قصيدة عامية بقلم الشاعرة عبير مبارك

عدد المشاهدات = 452 بس يا سيدي وقولنا خلاص إن أنا مش ليلى وفرضا يعني …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: