السبت , 7 ديسمبر 2019
الرئيسية / بقلمي / د. علا المفتي تكتب: “قلعة المجانين”

د. علا المفتي تكتب: “قلعة المجانين”

= 340

يحكي أنه في زمان غابر، وفي أرض بعيدة في مكان نادر، اجتمع العقلاء من البشر، وقرروا بناء مدينة لهم تسعد القلب والعقل والنظر. مدينة ملائكية قوامها الحكمة، والأخلاق السماوية. وبغيتها الكمال والمثالية.

ولما ازدهرت مدينتهم ، وذاعت اخبارهم وأنتشرت أعمالهم، وأصبحت مدينتهم للعلماء منارة، وللمبدعين والعظماء مكان للاستنارة، يشدون لها الرحال، من كل الوديان والجبال. داهمها وباء لعين، فأصاب سكانها، العاقل منهم والرزين، وباء أخبل العقول، وأصاب شجاعة القلوب بالذبول، وأمات الضمائر وأعمى البصائر. وسحق الكرامة، ومحق الاستقامة، وقيد الأرواح بصرامة.

فهرول الناجون، وهم من الوباء مرعوبون. واجتمعوا في مكان بالمدينة ناءٍ، كي يحموا أنفسهم من براثن الفناء. وقرروا بناء قلعة حصينة، تحميها أسوار شاهقة متينة. واتخذوا منها نواة جديدة، لمدينة الحكمة السعيدة. ليستكملوا فيها رحلتهم المجيدة، في تدعيم المثالية الشهيدة.

ولما اكتمل البناء، واعتزلوا العامة من الدهماء، ثار عليهم هؤلاء من الموبوئين والمجانين، الذين كانوا يوما عقلاء. والتفوا حول قلعتهم ذات التحصين، وكتبوا على أبوابها “احذروا من قلعة الحكماء المجانين”. ومن شدة الابتلاء، مات العقلاء، بعد أن عزلوا في قلعتهم مقهورين، وبالجهل والجنون والغباء، أصبحوا موصومين.

هكذا هو حال أصحاب العقل والحكمة، ممن يتحلون بالخلق القويم، ويتمسكون بالمبادئ والقيم الفضلى، عندما يعيشون في مجتمعات مريضة، شاع فيها الفساد والإفساد من كل الأصناف والأنواع. مجتمعات اهترأت فيها الأديان، فأصبحت تختصر في عبادات آلية ومظاهر شكلية، واختفى منها الفهم السليم لجوهر الدين المتين، الذي يقوم على الحق والخير والجمال، فيهذب الفرد ويحمي الجماعة.

وأصبح هؤلاء العقلاء يعيشون في عزلة، بعد أن وقعوا فريسة لصراع مع المجتمع، الذي يفرض عليهم أفكارا وسلوكيات، تتنافى مع المنطق السليم والخلق القويم. وكان لزاما عليهم لكي يحموا أنفسهم من الإصابة بوباء الفساد، الذي نخر عظام المجتمع، أن يكابدوا ويقاوموا ويسيروا ضد التيار السائد في المجتمع، ويتحملوا سخرية ومعاندة وعدوانية وإيذاء الآخرين، الذين أصابهم الفساد بأشكاله المتنوعة.

حقا إن الفرد الصالح في مجتمع طالح، يقع تحت ضغط نفسي بالغ، قد يصل به إلى اهتزاز قيمه ومعاييره وشكه في مدى صحتها. وقد يشعر بالاغتراب النفسي والوحدة والاضطهاد، والإحباط وفقدان الثقة في الذات والآخر. وقد تنهار دفاعاته النفسية، ويصاب بسوء التكيف مع مجتمعه، فيسقط صريعا للمرض النفسي.

يا صديقي العاقل الحكيم في مجتمع مجنون، قاوم ولا تيأس، وتذكر أنه لا يصح إلا الصحيح، فلا تنهزم أمام جيوش الفساد التي تهاجمك، فأنت على الحق، والحق قوة في ذاته.

يا صديقي العاقل، اسبح ضد تيار الفساد بكل ما أوتيت من قوة، وافخر بلقب مجنون الذي ناداك به الفاسدون. وحافظ على سلامك وصحتك العقلية والنفسية، بتجنب الانخراط في الأجواء المريضة كلما أمكنك ذلك. وإن اضطررت لمخالطة المرضى، فعليك ارتداء كمامة التجاهل والصمت الحكيم، كي تظل معاف سليم.

* مدرس أدب وثقافة الطفل بكلية بنات – جامعة عين شمس.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: