الثلاثاء , 21 مايو 2019
الرئيسية / خواطري / “زهور الماضي”..قصة قصيرة للدكتورة نهلة جمال

“زهور الماضي”..قصة قصيرة للدكتورة نهلة جمال

= 571

حدَّث نفسه أمام مرآته الخشبية، سأعبر الطريق ناثرا عبقك بين أسوار البيوت لعل حمرة زهرك تغتال حلكة الأحزان في فضاء الشوارع ليلا حين تنام العيون من وهج القلق، وتستيقظ القلوب الحائرة تنفض أوجاعها خارج أسوار النفس بحثا عن دمعة ترطب، أو لمسة تدعم، ولا يبقى من اليوم إلا نسائم تعطرت بوجودك بالطريق، إن لم تدرك وجودي يكفي أنني بك استنشقت الفرحة البريئة كطفل يسعده ثوب العيد، أنت عيدي الذي يأتي كل صباح حينما تجمعنا الخطوات لنهاية الشارع..

تنتظرين حافلة العمل وأتمني غيابها، وألمي رفيقي كل مساء حين تجمعني بك الأحلام. لم تجذبني إليك روعة هذه الإشراقة الغامضة، ولا سحر تمايل آشعة حنانك وهي تمد أيدي العطاء وتكشف بين غيوم الأيام ومضات الإرادة والإقدام، بل لأنك وسط الكون عنوان النقاء.

حين تتأرجح بسمات ثغر الأيام تناديني زهور الماضي المجففة بين طيات كتبي.. ما زالت تحمل أريج البراءة وما زلت أحمل لها نشوة الاستمتاع الصامت، هكذا طلتك، فأنا الرجل الشرقي الذي مهما ارتقي تبقى النزعة لوجود المسافات، فستظل أغصان الحياء والمودة والإخلاص المتشابكة ملامح زهرة
الأنوثة الحقيقية في أكواخ الحياة المتهالكة ما بين الرفض والقبول، التمكين والتهميش، تبقى الحقائق خالدة، إن كل أنثى هي الزهرة التي تحتمي بأشواك من القيم والحواجز الاجتماعية.

تعالت أصوات أغنية أم كلثوم من المذياع “يا صباح الخير”، ثم تلاشى الصوت.. إنها عادتها قبل النزول، فتح باب الشقة مستبشرا بمرافقة خطواتها على درجات السلم.. وها هو الباب يئن لخروجها.. لكنها ليست وحدها.. من هذا..؟! جمدت ملامحه وهلة محاولا التنفس.. جاء صوت الأم مودعة لهما وهما يهبطان بسلاسة وثغرها مبتسم: “في حفظ الله، لا تتأخر على الغداء يا علي”.. ونظَرَت لوجهه متعجبة: “تفضل يا أحمد على الغداء معنا بمناسبة عودة زوج ابنتي من السفر”.

لكن أحمد عاد لزهور الماضي بين طيات الكتب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: