الإثنين , 24 سبتمبر 2018
الرئيسية / بقلمي / د.علا المفتي تكتب: لآلئ الرحمة!

د.علا المفتي تكتب: لآلئ الرحمة!

= 1184

“إقرار”

أقر أنا بن آدم، أنا البشري، أنا الإنسان، أنا الطيب الشرير، أنا القاسي الحنون، أنا الخطَّاء التواب، أنا المحبوب المكروه، أنا بكل أشكالي وحالاتي، أقر أني أضعف بكثير، مما أبدو، ومما أظن، ومما أرغب أن أكون عليه. أقر أني أود الاعتراف، بكل لحظة من لحظات ضعفي، وانهياري وانهزامي. أود أن أصرخ بكل ما أوتيت من قوة، وأعلن عن هشاشتي البشرية.

أقر أني أود أن أقف عارياً، من كل أثواب وأردية الكبرياء، والمكابرة والعناد، وأستر نفسي برداء الإنسانية. إني أرغب في أن أتأوه، بكل عنف وبأعلى نبرة، وأن يعترف ألمي بكل بفخر على الملأ، أنه أخيراً نجح في احتلال روحي، ونفسي وكياني. أريد أن أنظر في المرآة بكل شجاعة، لأواجه دموعي، وأتعرف عليها من جديد، وأحسن استضافتها. وأن ألتقط معها صورة للذكرى، أضعها على صدر جدار كبير، في أفضل غرفة من غرفات منزلي، وأن أريها لكل من يمر بي. أقر أني لست ملاذاً لأحد، ولا منقذاً لمخلوق، وأني مثلهم خائف مكروب. وأن كاهلي قد ناء بحملٍ فاق حد احتمالي.

التوقيع:
إنسان

ما رأيك يا قارئي الكريم، في السطور السابقة؟! هل مررت يوماً بهذا الإحساس؟! هل شعرت يوماً أن همومك، تكاثرت عليك حد الاختناق، وقاومت .. قاومت بكل بضراوة، حتى لا تنهار، وحتى لا يصفك الناس بأنك إنسان ضعيف، أو “مش مؤمن، ومش راجل”، وأردت أن تصرخ في وجوههم “أنا بشر مش حجر”؟!

أتمنى يا صديقي، ألا تكون قد مررت بهذا الشعور. وأتمنى أيضاً، أن تكون قد مررت به. ففي الحالتين أنت محظوظ، فأمر المؤمن كله خير. فإذا لم تمر به، فقد أنعم الله عليك بالسلام النفسي. وإذا مررت به، فقد جاهدت نفسك، واعترفت بإنسانيتك وضعفك، وسمحت لنفسك، باكتشاف مكامن ضعفك وقوتك. وكنت شجاعاً بما يكفي، لكي تواجه ذاتك بما يقلقك ويؤلمك.

يا عزيزي من لم يتألم، لم يتعلم. ومن تألم فإنه حي، ينعم بهبة الإنسانية. فعبر عن ألمك بكل فخر وشجاعة. ولا تبالي لرأي الناس فيك، أو سخريتهم من ضعفك، فهم مثلك، ولهم نفس ضعفك البشري. لكنهم جبناء، لم يستطيعوا الاعتراف بإنسانيتهم، وفضلوا أن يظهروا كالجمادات، لا روح فيها ولا حياة، ونبذوا نعمة الإنسانية. وتذكر أن الاعتراف بالداء نصف الدواء، فاعترف بمكامن ضعفك، من أجل علاجها والعمل على تقويتها، لتحول من هشاشتك صلابة، ولتصنع من حزنك فرحاً، واجعل ألمك إيجابياً، يدفعك للمقاومة وللنهوض فور السقوط.

يا صديقي، إن القدرة على التعبير عن الحزن، والألم والضعف والفشل، لهي سمة من سمات، كل شخص شجاع حر. فحرر نفسك، من كل مشاعرك السلبية بكل شجاعة، واعترف بها ولا تخجل، فإن الله تعالى وهبنا لآلئ الرحمة، كي نذرفها حاملة معها، كل هم وغم وألم، فتهدأ النفوس، وتغسل قطراتها الدافئة القلوب. فالدموع علاج فطري، لكل نفس معذبة، قد أقره العلم، وكشفت عنه الأبحاث العلمية الحديثة، فلماذا تبخل على نفسك به؟!

وتذكر أن رسول الله عليه افضل الصلاة والسلام، قدوتنا ومرشدنا، ودليلنا في رحلة الحياة، قد بكى في علن، ولم يستحِ، فهل تظن نفسك أفضل أو أقوى منه؟!!

———–

* مدرس أدب وثقافة الطفل بكلية بنات – جامعة عين شمس.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *