الجمعة , 18 سبتمبر 2020
الرئيسية / بقلمي / خلود أبو المجد تكتب: مصر هي…كل حاجة حلوة

خلود أبو المجد تكتب: مصر هي…كل حاجة حلوة

= 4653

Kholod Abulmagd 2

في كل مره أبدأ فيها بكتابة مقالي أظل أبحث عن الكلمات الأولى التي ستقودني للانتهاء من استعراض الفكرة التي تدور في ذهني والإحساس الذي يملئني، إلا  في هذه المرة فالكلمات والأفكار تدور في ذهني بكثافة منذ أسبوع أعمل على ترتيبها إلا أنني قررت اليوم كتابتها دون ترتيب، فسأكتفي بإطلاق العنان لإحساسي ليعبر عما يشعر دون تنميق وتزيين للمعاني، وكيف لا وأنا اليوم سأكتب عن مصر.

مصر بلادي التي لم أولد او أنشأ فيها لكنها تسكنني ويحتويها فؤادي، مصر التي أهواها وتملأ كياني في بلاد الغربة فلا يجرؤ على المساس بها أمامي أي إنسان، فمهما غضبت عليها تظل دائما وأبدا التاج الموضوع على رؤوس الجميع، التي يغار منها ويتعجب لصلابتها وقدرتها على النهوض من كل كبوة تمر عليها الكثيرين، بل أن كثير من الحروب الخفية غير المعلنة والتي بدأت منذ زمن بعيد حاولت طمس حضارة مصر وتهميشها، إلا أن المصريين سرعان ما يتمكنوا من استعادة مكانتهم وإثبات أن معدنهم الحقيقي عند اللزوم.

مصر كما أراها هي التي يحلم كثير من شبابها بالخروج منها وإيجاد فرصة لهم في بلاد المهجر، وما أن تأتي سيرتها تمتلئ عينيه بالدموع ويقتله الحنين إليها، فتجده يبحث عن أغنيات أم كلثوم وعبد الحليم وعبد الوهاب ليسرح معها مسترجعا ذكرياته في شوارع مصر برفقة أهله وأصدقاؤه، فيبتسم كما المعتوه أو حتى يضحك بصوت عال ويبدأ في سرد هذه الذكريات التي تنبض بالحب الذي لم يكن يشعر بوجوده وهو فيها.

مصر هي النشيد الذي ينطلق في أي مناسبة وطنية نحضرها في سفاراتنا في جميع أنحاء العالم فنجد الجميع يغنيه واضعا يده على قلبه، ليحي علمها ضاربا له تعظيم سلام في أي مره يشاهده يرفرف في طرقات دول الغربة رافعا رأسه بشموخ، كما لو أن هذا العلم هو السند والضهر الذي يشد ظهره، فتصبح هي محور حديثه لأيام وأيام في عمله وفي بيته وبين أصدقاء الغربة وفي كل مكان، إحساس شعرنا وعشنا معه حين زيارة سيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي للكويت، فعلى الرغم بأنه لم يتسن لأبناء الجالية الترحيب به إلا أن الجميع كانت ترتسم على وجهه ابتسامه جميلة، خاصة بعدما صدرت كل الصحف صفحاتها الأولى بكلمات الترحيب به فكان الحدث الذي زادنا فخرا بمصرنا وبرئيسنا.

واسمحوا لي في سطوري المقبلة أن أصف مصر بلهجتي العامية.

مصر هي عربية الفول والحنطور وريحة هواها اللي اول ما تغمض عنيك تحسه مالي كيانك، لم تكن تصلح كتابة هذه الجملة او غيرها في وصف مصر بالفصحى فهي تقتل وتجمد هذا الإحساس الجميل بالقشعريرة عندما أغمضت عيني لأكتب مصر، بكل ما تحمل تلك الجملة العامية ذكريات لأي منا، تربى بعيدا عن أرضها وعاد ليدرس أو يعمل في بلاده من جديد فوجد نفسه يبحث عن تفاصيلها الصغيرة ليعرفها ويصبح على الرغم من البعد مواطن مصري جدع، تلك الصفة التي تطلق على الجنسين في مصر وخارجها، للمواقف الصعبة التي ما أن يوضع فيها أي شخص فلا تجد بجواره سوى شخص يحمل الجنسية المصرية ليساعده، ويتحمل المسؤولية التي تركها وأحيانا هرب منها آخرين، ما هو مبيعرفش يقول وأنا مالي في الحق.

مصر البيوت القديمة اللي طالع منها ريحة الملوخية والمحشي والحمام بالفريك، تلك الأكلات المصرية الصميمة التي يبحث عنها كما الإبرة في كوم قش رجالنا المصريين في الغربة وتصبح المعكرونة باللحمة البفتيك التي اعتاد أن يأكلها من يد والدته أقصى أحلامه على مائدة إفطار رمضاني، فتستمع برؤية عينيه تضج بهجة وسعادة مسترجعا ذكريات طفولته في منزل والديه، وأكاد أجزم بأنه في هذه اللحظة ملأت رائحتهما رئتيه شاعرا بهما بداخله.

مصر هي ذكرى حب قديم مشيت معاه إيد بإيد ع الكورنيش تشاور ع البيوت وتقول في يوم من الأيام هنسكن هنا، تلك البيوت التي تحاول شركات العقار بشتى الطرق أن تشوه صورتها في نظر شبابنا الذي أصبح يحلم بالسكن في التجمعات السكانية الجديدة المليئة بالحدائق والنوادي وصنعت العزلة بإصرارهم في اعلاناتهم على توافر الخصوصية، والتي تعني الرفاهية بعيدا عن ضوضاء المدينة التي بدونها لن تصبح قاهرتي هي قاهرتي التي أحب، التي أصر منذ سنوات أنني لن أمتلك فيها منزلا إلا إن كان من تلك البيوت القديمة ذات الأسقف العالية والأبوات ذات ( الشراعة) التي استبدلها التمدن والتحضر بما يسمى ( العين السحرية) التي جعلت من الكثيرين جواسيس على بعضهم البعض.

مصر هي سواق التاكسي اللي يبقى عشرة عمرك في مشوار مدته ساعة، فهذا السائق الجميل الذي يختلف في كل مرة تذهب فيها لأي مكان يعرفك على أحوال البلاد والعباد، فتجده خبيرا اقتصاديا ومحللا سياسيا ورياضيا وناقدا فنيا وذلك لكثرة أطياف الشعب الذي ينقله من مكان لآخر فيستمع لأفكارهم واتجاهاتهم المختلفة، ليضع هو من بعدها لمساته الشخصية بما استمع إليه في نشرات الأخبار الدولية وليس المصرية، فهو يستمع للبي بي سي ومونت كارلو ليطلع عما يقال عن مصر في الخارج، لأنها في النهاية تسكنه فلا يقبل طوال مشوارك إلا أن يدافع عنها خاصة إن كنت من السواح.

مصر هي الجامع قصاد الكنيسة في كل شارع وفي كل حاره، هي طبق الكحك اللي طالع في عيد الفطر لعم جرجس ونازل في عيد القيامة للحج محمد، وحدة وطنية رائعة حاول الكثيرون اختراقها بشتى السبل وكانت هي الحرب الأولى التي حاولت دول القوى العظمى إشعالها كثيرا، إلا أن الأذكياء من كافة الأديان رفضوها ونبذوها، فلا تجد في أي معركة سوى اسم مصر وترابها وحريتها هي التي يتوحد تحت رايتها الجميع بغض النظر عن الدين أو المحافظة التي ينتمي لها الشخص.

مصر هي فسحة الفلوكة في النيل وقرطاس اللب والسوداني في سينما ميامي وشوب عصير القصب والمانجا وانت خارج مع صحابك، النيل الذي حاولوا تسميمه بكل محاولاتهم لتشويه صورته وبأنه سبب في الكثير من الأمراض المستعصية التي أصابت المصريين في السنوات الأخيرة، وعندما وجدوا أن المصريين (لسه بيفتحوا الحنفية ويشربوا) بدأت الحرب على المياه وبدأت دراسات جفاف النيل وبناء سد النهضة لتبدأ حرب المياه، لكن هيفضل المصريين يشربوا من الحنفيات.

مصر هي فاتن حمامه في سيدة القصر، هي عمر الشريف في صراع في الوادي، هي شادية في معبودة الجماهير، هي أم كلثوم في سيرة الحب، هي عبد الوهاب في الوردة البيضاء، هي شقاوة أحمد رمزي في عائلة زيزي، هي ضحكة سعاد حسني في زوزو، هي خفة دم إسماعيل ياسين في البحرية، هي أنوثة هند رستم في عزيزة، هي جدعنة فريد شوقي في رصيف نمرة 5، هي أمومة فردوس محمد في رد قلبي، هي أحمد زكي المصري الأصيل في ضد الحكومة.

مصر هي اللي مهما زعلنا منها عليها فيها حاجة حلوه.

شاهد أيضاً

د. إيمان معاذ تكتب: الحكاية باختصار

عدد المشاهدات = 1417 اسمحوا لى من خلال رؤيتى المتواضعة ، أن أحاول الرد على …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: